30/12/10
من سبق الآخر: البيضة أم الدّجاجة؟ سؤال يضرب مثلا للأسئلة التي لا يمكن الإجابة عنها لأنها دائريّة تكاد تكون مفرغة من المعنى الإجرائيّ...وأكاد أسأل في الإطار نفسه: من سبق الآخر: الحكّام أو الشّعوب؟ في الحالتين نحن نتحدّث عن شيء واحد في مظهرين مختلفين له. البيضة هي التي تصبح دجاجة والدّجاجة هي التي تضع البيضة. والحكّام هم في الأصل جماعة من الشّعب ويتحوّلون بعد انتهاء فترات حكمهم إلى الشّعب: ولا يسعني في هذا المقام أن لا أتذكّر القولة الشّهيرة لجمال عبد النّاصر: لقد قررت ان أتنحّى تماما ونهائيا عن أيّ منصب رسمىّ وأيّ دور سياسيّ وأن أعود إلى صفوف الجماهير. هذا التّصوّر يفترض أنّ الجماهير/الشّعب والحاكم مختلفان أو منفصلان في حين أنّ الشعب والحاكم كالبيضة والدّجاجة وجهان لعملة واحدة. فمن المفروض أنّ الحاكم واحد من الشّعب ومن المفروض في الأنظمة الحداثيّة على الأقلّ أنّ الشّعوب هي الّتي تحكم من خلال ممثّليها مهما يكن نوع ذلك التّمثيل.
ولذلك نجد أنّ البلدان الّتي يكثر لدى مسؤوليها الارتشاء إنّما تُدفع لهم الرّشوة من قبل المواطنين ونجد أنّ البلدان الّتي يكثر لدى مسؤوليها الفساد الماليّ هي بلدان يكون لدى شعوبها استعداد فعليّ لإقامة الفساد الماليّ وإن على نطاق بسيط وفي أطر ضيّقة، ولذلك نجد البلدان التي لا يسمح مسؤولوها إلاّ بقدر ضئيل من حرّية التّعبير يكون شعوبها أكثر قمعا لحرّية التّعبير في المجال الأسريّ الضّيّق وفي مجال جلسات الرّفاق حول الرياضة أو الفنون وسواها.
إذا كان الأمر كذلك، فهل يصحّ: "كما تكونون يُولّى عليكم" أم هل يصحّ: إنّ الأنظمة قادرة على تغيير الشّعوب بشكل أو بآخر؟ أيّهما أصحّ؟ أم لعلّها جدليّة بين الرّؤيتين. نعم الجدليّة أقرب إلى المنطق إذ لا أومن بالحتميّة في مجال للنّوازع البشريّة فيه دور كبير ومجال أكبر.
فقط أقول إنّه إذا تراخت هذه الجدليّة بين الحاكم والشعب (وأذكّر بأنّهما موضوع واحد) أدّى ذلك إلى ما يؤدّي إليه تراخي الجدليّة بين البيضة والدّجاجة. فإمّا أنّ الدّجاجة تذبح قبل أن تبيض من جديد، أو أنّ البيضة تُكسر قبل أن تصبح دجاجة. إذا تراخت هذه الجدليّة معناها أنّ أحدا من الحاكم أو المحكوم قد تغيّر أو هو في طريقه إلى التّغيير، وفي هذه الحال سيكون التّاريخ وحده كفيلا بإعادة تنظيم المعادلة وإقامة التّوازن المفقود.
فقط أريد أن أوضّح أنّ هذا المقال ليس معياريّا ولا يتحدّث استنادا إلى منطق الأفضل والأسوء. إنّه مقال يحاول أن يقرأ بعيدا عن الشّعارات وبعيدا عن وهم امتلاك الحقيقة لطرف أو لآخر. إنّ مسؤولين مثل كينيدي أو الملك فيصل قد اغتيلا ربّما لأنّهما لم يكونا ممثّلين وقتها لما يتطلّبه تنظيم العالم. أليس من اللطيف أن يُغتال غاندي وهو الّذي أمضى حياته كلّها يدعو إلى اللاّعنف ويناضل في سلام. ألا يمكن أن يكون المشكل في أنّ الشّعوب وقتها لم تكن بعد جاهزة للسلام واللاعنف. أليس من اللطيف أن تتغيّر دعوة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بين الفترة المكّية والفترة المدنيّة وفق تغيّر الوضع السّياسيّ والاجتماعيّ؟
إنّ المشكل في رأيي ليس في الحاكم ولا في المحكوم ولكن في مدى القدرة على المحافظة على التّوازن بينهما وعلى تمثيليّة أحدهما للآخر. ولكنّ السّؤال الّذي يظلّ مطروحا دوما هو: كيف الحفاظ على هذا التّوازن؟ أو من يحافظ عليه؟ وإنّي ممّن يؤمنون أنّه مهما تكن الأجوبة ومهما تكن الأعمال الّتي نجنح إليها فإنّ للآخر الّذي لا نملك عليه سيطرة دورا أساسيّا في تشكيل هذا كلّه بما نعيشه، ولكن بما لا يقدر على أن يتكلّم عنه إلاّ من يأتي بعدنا، عندما نصبح نحن منتمين إلى ما يسمّى تجوّزا: التّاريخ.


