لم أكن يوم ممّن يتصوّرون أن على الدّولة ومؤسساتها أن تستقيل من مهام الرعاية والتغطية الاجتماعيين وفي الآن نفسه أعتقد مثل الكثيرين اليوم أن على المجتمع المدني أن يقوم بدوره في باب العناية بالفئات الضعيفة وبالهشاشة الاجتماعية التي لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات البشرية.
ولم أكن يوما متطرّفة في مواقفي السياسية لذلك اعتبرت أن فكرة صندوق 26-26 يمكن أن تكون في ذاتها فكرة جيدة بعيدا عن كل توظيف سياسي لها، كما أن نشأة كثير من الجمعيّات ذات الصبغة الاجتماعية كفيلة بأن تحقق بعضا من التوازن الاجتماعي المثالي المنشود...على أن ما أقلقني ما تعمد إليه بعض وسائل الإعلام الرسمية من إشهار لعمليات العطاء والمساندة أو التضامن كما يحلو للبعض تسميتها. وكا قلت في البداية ليس لدي مشكل مع التسمية ولا حتى مع التوظيف السياسي إذ لا أعرف دولة لا توظّف اختياراتها السياسية بطريقة أو بأخرى،
ولكن مشكلتي أن يتحوّل الإشهار إلى تشهير بل إلى استعراض مخجل لنوعية العطاء الذي قدّم لبعض المحتاجين واستعراض القائمين به حتى تبلغ الأمور أقصاها باستجواب المنتفعين ببعض العطايا أو بعض منح "التضامن" وبسؤالهم بدقة عمّا قُدّم لهم وعمّن أمدّهم به ودفعهم إلى التعبير عن فرحتهم بهذه المنّة دون أن ننسى الدعاء بالخير للواهب ولا شك أن مثل هذا الاستعراض الفج مخجل أخلاقيا فمن أبجديات أخلاق العطاء امتناع المعطي عن المنّ وعن الرّياء، وكم طرفة ألّفها الأدباء العرب القدامى للسخرية ممن يتبعون عطاياهم بالمنّ، فما بالك إذا تجاوز الأمر ذلك فأصبح إهانة ظاهرة وضمنية لهؤلاء المحتاجين، وعندئذ يتحوّل العطاء إلى إذلال والتضامن إلى تاج يضعه المعطي على رأسه ليوهم نفسه أو لعله ليوهم الآخرين بأنه الأفضلأيها الواهب مهما تكن،
إن كنت ترغب في أن نقول لك أحسنت فإن أسوأ طريقة تعتمدها هي هذا الرياء والمنّ والإذلال، والمحسن الحق لا يسعى إلى أن يشهر أفعاله، ويا حسرتي على زمن كان فيه الناس في عيد الأضحى مثلا يأتون بالكبش في جنح الظلام ليضعوه أمام منزل "المحتاج" ثم يلوذون بالفرار، ويا عجبي من زمن أصبح فيه الناس يقفون أمام كاميرات التلفزيون ليتباهوا بما قدّموه للآخرين.