ابتعدت منذ مدة قليلة عن النقاشات الفكرية العقيمة على الفايسبوك واكتفيت ببعض الإشارات اللطيفة أو الهزل المروّح عن النفوس. واليوم يكتب على صفحتي تونسي يدعو إلى عودة محاكم التفتيش في ضمائر الناس. ولن أقف على هذه المسألة في ذاتها بل سأحاول تجاوزها إلى ظاهرة غريبة أصبحت متواترة في تونس وهي ما يطيب لي أن أسمه بثقافة الكره. حاول أن تجول في الشارع وأن تلاحظ سلوك الناس إزاء بعضهم بعضا سواء أكانوا في السيارات أو مترجلين. سترى عنفا متأصلا عميقا ونظرات حاقدة قلما تتخللها بسمة مودة أو نظرة. حاول أن تدخل إلى متجر وسترى في أغلب الأحيان طبعا كيف يعاملك البائع، هل يجيبك على تحيتك؟ هل يأخذ من وقته بعضا حتى يقدم لك البضاعة أو يتحاور معك؟ في أغلب الأحيان يكون السلوك جافا والمعاملة لامبالية. استمع إلى "نقاشاتنا السياسية" وستجد الناس تنعت بعضها بعضا بأقذع النعوت الأخلاقية وتخلط الخاص بالعام وستجد كل شق يعتبر أنه الصائب الوحيد وأن بركة الدنيا بين يديه وأن الآخرين ممن لهم رأي مختلف يجب أن يسكتوا بل أن يصمتوا الصمت النهائي. اقرأ صحافة العار وستجد تعاليق على الأفلام أو الكتب أو المسرحيات لا تتجاوز الأحكام التي تعج مقتا وكرها بسب الممثل أو المخرج أو اتهامه بالغرور أو بالجهل أو بالتآمر على حضارة البلاد وقيمها. اذهب إلى الملعب وراقب الجماهير في "أهازيجها" الجهوية التي تقطر احتراما للآخر ووطنية وحبا لأهل البلاد. انظر إلى اللاعبين يتجه كل واحد منهم نحو الآخر بضربات قد تقضي على مستقبل اللاعب بل على سلامة جسده إنسانا. اقرأ بعض التعاليق في الفايسبوك يستحي الإنسان من النظر فيها تقززك بالأحكام المسبقة العنيفة على أناس لا تعرف منهم إلا صورة افتراضية على النات. اجلس في المقاهي، في الجامعات، في المستشفيات، في النوادي في أي مكان شئت وستجد الناس لا حديث لجلهم إلا شتم فلان أو التشدق بسمعة علان أو ادعاؤهم معرفة نوايا فلانة. فهم على صواب وهم الأفاضل وهم الوطنيون وهم الذين يعرفون مصلحة البلاد والعباد والآخرون على خطإ مطلق وعلى رذيلة مطلقة ومأجورون للخارج ولا يريدون إلا خدمة مصالحهم...من يذكرنا بأن الآخرين هم نحن وأننا الآخرون؟ من يذكرنا بأن الحقيقة نسبية؟ من يذكرنا بأن الأخلاق والمودة أهم من أي طقوس مهما يكن نوعها وشكلها والإيديولوجيا التي تستند إليها؟ من يذكرنا بأن الغيبة والنميمة شر وبأن بعض الظن إثم؟ من يذكرنا بأننا جميعا أبناء تونس من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها وأننا جميعا قد نخطئ وقد نصيب؟ من يذكّرنا بأن نردّ التحيّة في أبسط صورها؟ من يعلّمنا أن الحقد والكره والضغينة لا تعبّر إلا عن نفوس مريضة بالغيرة والحسد والأنانية وبعدم الثقة في النفس؟ كيف تعود إلى بلادي ثقافة المحبّة والحوار؟ كيف تعود قبل أن يفوت الأوان؟؟؟


