rss
twitter
    Find out what I'm doing, Tabbe3ni :p :)

05/03/2010

للّرجال فقط

الأعياد أيّام احتفالية دوريّة وهي أنواع منها الأعياد الدينية شأن عيد الفطر وعيد الأضحى وعيد الفصح ومنها الأعياد ذات الصّبغة السياسية شأن أعياد الاستقلال بأنواعها. ونجد في عصرنا الحديث احتفالا بأيّام مخصوصة تُسند إلى مواضيع متعدّدة فنجد مثلا يوم حقوق الإنسان ويوم السّيدا ويوم الامتناع عن التّدخين، ونجد أيّاما تحتفي بفئات مخصوصة شأن يوم المسنّين ويوم الطّفل ويوم المعوقين ويوم المرأة الّذي تحتفل به المجموعة العالميّة بعد أيّام أي يوم 8 مارس 2010.
وممّا يميّز هذه الأيّام جميعها أنّها تحتفي عموما بما يتميّز بالجدّة وما يُسعى إلى ترسيخه. فحقوق الإنسان مثلا بمصطلحه هذا وتصوّره السّائد اليوم إنّما هو مفهوم حديث وكذا مفهوم الطّفولة والمسنّ والمعوق. فلم يكن المسنّ سابقا فئة اجتماعيّة مخصوصة يُفترض أن تحظى بالعناية وقد تطوّر اليوم أمل الحياة في العالم كلّه ونشأ معه مفهوم المسنّ النّشيط الفاعل في المجتمع. وما كان ذوو الاحتياجات الخصوصية يتمتّعون بالإدماج الاجتماعيّ. ولم يكن للطّفل قبل الحداثة شأن وكان يُعدّ من "ممتلكات الوالدين" ناهيك أن بعض الدّول ما زالت إلى الآن ترفض المصادقة على اتفاقية حقوق الطّفل.
ولا يخرج مفهوم المرأة عن المنظور نفسه ذلك أنّه مفهوم حديث فالمرأة عموما وفق التّصوّر الوسيط تابع للرّجل، تدخل في ملكيّته ونجد لهذا صدى إلى الآن في كلمة "حرم" التي تُعتمد لإثبات الحوز، والحوز المخصوص. والمرأة وفق التّصوّر التّقليديّ تنتقل من ملكية ذكورية هي ملكية الأب إلى ملكية ذكورية أخرى هي ملكيّة الزّوج.
ولا شكّ أنّ تخصيص يوم عالميّ للمرأة يذكّر بمفهوم المرأة الحديث ويذكّر بنضالات نساء العالم من أجل تحوّلهنّ من مواضيع إلى ذوات. والحقّ أنّي في هذا المقال أبعد ما يكون عن هذا التّصوّر الحقوقي وإنّما أريد أن أخاطب في مقالي هذا الرّجل على هامش الاحتفاء بعيد المرأة.
عزيزي الرّجل، لا شكّ أنّك بذكائك المتفوّق الّذي منحه الله تعالى إيّاك قد لاحظت أنّ المحتفى بهم من الفئات الاجتماعيّة في أيّام مخصوصة هم ممّن لا يمثّلون الطّراز الأصليّ للإنسان. ولمن لا يعرف-وأنت لا شكّ تعرف- فالطّراز هو الصّورة المثلى لما يمكن أن يكون عليه الشّيء. والطّراز عند علماء الدّلالة هو أفضل من يمثّل مجموعة معيّنة فاللقلق مثلا من الطّيور ولكنّه ليس الطّير الطّراز إذ الطّير الطّراز يشمل البلبل والخطّاف وما لفّ لفّهما من طيور مألوفة.
والمهمّ أنّ الطّفل لا يمثّل طراز الإنسان فهو ما زال صغير السّنّ يتميّز بالضّعف والافتقار إلى الآخر والمسنّ الّذي لا يقلّ عن الطّفل عموما ضعفا وافتقارا لا يمثّل طراز الإنسان، وكذا ذوو الاحتياجات الخصوصيّة. وحتّى الشّابّ الّذي يُخصّص له في بعض البلاد أيّام للاحتفاء به فهو يتميّز بالتنطّع وبافتقار إلى النّضج والحكمة. ولا تمثّل المرأة طراز الإنسان أيضا إذ هي في المخيال الاجتماعيّ عموما تقلّ حكمة وتزيد دهاء وكيدا، ألا يقول العرب: شاوروهنّ وخالفوهنّ؟ وألا يُعتبر من يُنشّأ في الحلية غير مبين في الخصام؟ وألا يخاطب جماعة النّساء وإن بوجود ذكر واحد بضمير المخاطب الذّكر: أنتم؟
إنّ طراز الإنسان إذن هو الرّجل العاقل السّليم، والطّراز لا يُحتفى به في يوم ولا يُبحث فيه لأنّه متميّز بذاته. إنّنا لا نجد في النّحو مثلا بابا اسمه: الأسماء الّتي تنوّن وفي مقابل ذلك يوجد باب الممنوع من التنوين. لا نبحث المنوّن لأّنه الأصل والطراز، ونبحث الممنوع من التنوين لأنّه الخارج عن الأصل والطّراز. ومن المنظور نفسه هل سمعتم يوما عمّن يبحث في الأدب الرّجالي في بلاد من البلدان؟ وألم نشبع في مقابل ذلك ندوات وأبحاثا تهتمّ بالأدب النّسائي وخصوصياته؟ وهل سمعتم يوما بمن يستفتي في الرّجال إن هم إلاّ يستفتون في النّساء فحسب...
عزيزي الرّجل، وأنت طراز الإنسان وصورته المثلى، إنّني لا أغبطك على هذه "الطّرازيّة" ليس فحسب لأنّي أومن بأن لا يتمنّى أحد موضع الآخر وليس فحسب لأنّي أومن أنّ للرجال نصيب ممّا اكتسبوا وللنّساء نصيب ممّا اكتسبن وليس فحسب لأنّي أضحك ممّا تخفيه بعض الكتابات النّسويّة من عصاب نفسي واضح مردّه رفض بعض النّساء لذواتهنّ وطموحهنّ اللاوعي إلى أن يكنّ "رجالا"....ليس لهذا فقط لا أغبطك يا عزيزي الرّجل الطّراز. أنا لا أغبطك لأنّي أعرف ما يستدعيه منك هذا "الوضع" من صعوبات وتضحيات جسام.
عندما كنت طفلة كان أصدقاء لعبي من الذّكور يتراشقون بالتّهم، ومن أشنع تهمهم وقتها أن يقول أحدهم للآخر:لست رجلا. فكنت أراهم يتعاركون ويتشاتمون ولم أكن أفهم ذلك إذ أنّي إذا قيل لي لستِ رجلا أو حتّى لستِ امرأة اكتفيت ببسمة عابرة لا مبالية. ثمّ فهمتُ مع الزّمان أنّ هذه "الرّجولة" هي المكسب ورأس المال وأنّها بتجلّياتها المختلفة من المقدّسات التي لا ينبغي المساس بها فكيف بنفيها ولو بكلمة. فهمت عزيزي الرّجل أنّك مجبر طيلة حياتك على أن تثبت جدارتك بهذه الرجولة الطّرازّية. فهمتُ أنّك إذا فشلت في أن تكون الأوّل في قسمك وأنت طفل في الإعداديّ وإذا صادف أن كانت الأولى تلميذة زميلة يُقال لك:"هكّا غلبتك طفلة". فهمتُ أنّك إذا حزنتَ ورغبتَ في البكاء تكتم آلامك ولا تجري دموعك. أو يبكي الرّجال كالنّساء؟ فهمتُ أنّك تعاني خوفا من أن تُتّهم بالعجز أيّ عجز فإذا كان لك مشكل جنسيّ غرقتَ في دوّامة الأحزان أو العنف. أفلا يوصف الرّجل بالعاجز أمّا المرأة فإن تكن أبرد من صقيع ليالي القطب الشّمالي فهي باردة ولكنّها لا تعجز البتّة وهل يعجز غير الفاعل؟ فهمت أنّك إذا كنتَ عقيما (والله تعالى يجعل من يشاء عقيما من الإناث والذّكور) سعت عائلتك بشتى الطّرق إلى أن تثبت أنّك سليم وأنّ العيب في زوجتك. فهمت أنّك إذا خطبت ودّ فتاة فرفضتك ركبتك الوساوس والهلاوس أَوَ يُرفض الرّجل؟ فهمتُ أنّك إذا صرخت أو غضبت أو تمسّكت بعنادك ودخلت في صراعات فكريّة أو سياسيّة أو دينيّة تريد غالبا أن تثبت ذاك الّذي به كُنت طرازا، تريد أن تُحافظ على هذه الرّجولة مقاوما بذلك خوفا لاواعيا في أن تُتّهم بفقدانها.
عزيزي الرّجل أعرف أنّك في أعماقك، بهذا الخوف الدّفين الجميل، طفل يحنّ إلى حضن أمّه ولكنّه يكابر ويعاند ويُذكّر العالم كلّه: أنا رجل...نعم أنا رجل...نعم أنا رجل...
عزيزي الرّجل، هذا المقال لك وحدك لأقول لك إنّي أحبّك كما أنت. ولتكن الإنسان الطّراز ولن أخبر أحدا بما وراء هذه "الدّرجة" من تعب ونصب. فليبق الأمر بيننا إمّا أن تقبل هذا الوضع المغري ظاهرا والعسير فعلا أو أن ترفضه فتلتحق بركب الّذين نحتفل بهم في أحد أيّام السّنة.
عزيزي الرّجل هذا مقالي هدّية إليك بمناسبة اليوم العالميّ للمرأة فإن أعجبتك الهديّة فسأفرح وإن لم تعجبك فلن أحزن. أفلست امرأة ومتى استقام مع النّساء مقال؟

14 commentaires:

bella_ragatsa a dit…

j'ai adoré le ton ironique, vraiment bravo, pour cette touche de finesse:))

illusions a dit…

Mais qui pourra écrire un si beau texte sauf une femme fière de sa féminité et qui ne voudra jamais se transformer en homme...
Un très jolie jeu de mots et de pensées, Bravo Olfa

Mohamed Sadok Ismail a dit…

إلى الدكتورة ألفة
شكرا على هذه الهدية، و لكن أريد ان أذكرك بأن الله قد خلق الذكر و الأنثى و جعلهما مختلفين جسديا .
فالرجل يختلف جسديا عن المرأة في قوته و تركيبته، فلا نستطيع أن نقول أن الرجل أذكى من المرأة أم لا لأن العقل بداخل الجسم و لا يُرى.
و الرجولة شيء آخر، و الأنوثة كذلك، كلُّ لا يقبل الاتهام فيهما، فالرجولة مثلما قلت هي رأس المال و كذلك الأنوثة فالمرأة لا تقبل المساس بها.
في الختام أقول أريدك أن تقبلي تدخلي هذا، و أقول لك بأن لا حياة لرجل بدون إمرأة و حياة لامرأة بدون رجل.
و السلام
محمد الصادق إسماعيل

Mohamed Sadok Ismail a dit…

إلى الدكتورة ألفة
شكرا على هذه الهدية، و لكن أريد ان أذكرك بأن الله قد خلق الذكر و الأنثى و جعلهما مختلفين جسديا .
فالرجل يختلف جسديا عن المرأة في قوته و تركيبته، فلا نستطيع أن نقول أن الرجل أذكى من المرأة أم لا لأن العقل بداخل الجسم و لا يُرى.
و الرجولة شيء آخر، و الأنوثة كذلك، كلُّ لا يقبل الاتهام فيهما، فالرجولة مثلما قلت هي رأس المال و كذلك الأنوثة فالمرأة لا تقبل المساس بها.
في الختام أقول أريدك أن تقبلي تدخلي هذا، و أقول لك بأن لا حياة لرجل بدون إمرأة و حياة لامرأة بدون رجل.
و السلام
محمد الصادق إسماعيل

3lulu a dit…

Très pertinent! Cette pensée s'inscrit bien dans la lignée de Simone de Beauvoir et les féministes qui ont fait évoluer la psychanalyse malgré le fondement machiste de celle-ci. Toutefois, j'aurais bien aimé que le même texte s'adresse également aux femmes qui sont complices dans leur asservissement, par leur consentement, et par la perpétuation de cette oppression sur des femmes plus jeunes, à cause sûrement de la frustration qu'elles ont subie et dont elles voudraient accabler leurs semblables.

laabed a dit…

سأضيف إلى ماقلته شيئا تعرفينه لامحالة وهو أن الله في كتاب القرآن لم يقبل بنعت الملائكة بالإناث

hamma a dit…

مرحبا
أستاذة ألفة أبدعتي
حملتي صوت المرأة بصدق ولعلي أقترح عليك عنوان :كن رجلا
في صيغة الأمر
دام إبداعك

حياة العابد a dit…

شكرا الدكتورة ألفة
اعتبر هذه التدوينة أحسن هدية قدّمتيها لبنات جنسي ، بعد إذنك طبعا

H B J a dit…


Bravo

Tekaya a dit…

دكتورة ألفة
أرى في مقالك حسب فهمي البسيط نوع من السخرية على الرجال والنساء في آن واحد مع إحترامي لآرائك
ألا يقال إن كل رجل عظيم ورائه إمرأة ألا يعني هذا إنه لايستقيم الرجل إلا إذا إستقامت المرأة،
ألا يقال إن الأم هي المدرسة الأولى والأم هي إمرأة
الله خلق الرجل والمرأة ليتكاملا لا ليعلو أحد على الآخر أو لنميز أحد على آخر.
مقالك فيه فهم ثاني بين السطور لا أريد العمق فيه

jehil a dit…

للرجل رجولته و للمرأة أنوثتها
و ليست الرجولة هيّ نفسها الفحولة

هذا اليوم إذ يذكّر بهذا الوضع الجديد الحديث للمرأة, هذا الوضع الذي نباركه إلاّ أنّه أحيانًا يذكّرنا بتلك الأنوثة التّي أصبحنا نفتقدها في ظلّ جديّة المرأة الذكوريّة, أحيانًا قد تقابلها ميوعة أنثويّة لهذا الرّجل

من ناحية أخرى فهذا اليوم إذ يذكّر بهذه الوضعيّة الجديدة لهذه المرأة فإنّه يذكّرنا بدونيّة رتبة المرأة و هذا الشّعور بالنّقص الذي مازالت تعانيه فكأنّي بها تضفي على وضعيّتها هذه صفة ـ غير الطبيعي ـ فهي مازالت لم تتأقلم بعد كلّ هذه السّنين مع وضعها الجديد
فهل نحتفي اليوم باللاّعنصريّة العرقيّة أو نتقارع على مدى أفضليّة الأبيض على الأسود ؟ لا .. فهذا أمر طبيعي نتعايش معه أما المرأه فما زالت تتخبّط في ذعرها و في خيالاتها خوف خسارة هذه الحريّة

أخيرًا أتساءل .. هل تحتاج المرأة يومًا لكي يذكّر بالمكانة الجديدة .. و أبواق لكي تدافع عنها .. منظّمات لكي تحميها .. إلخ

أما آن الوقت لكي تتجاوز مرحلة الوصــاية ؟؟ أما زالت تشعر بأنّها قاصــر ؟؟

المرأة كانت سابقًا تجارة تباع و تشترى و اليوم أصبحت قضيّة يتاجر بها

لو كنت امرأة لاعتبرت هذا اليوم إهانة لي

انور عبادي a dit…

كالعادة تمتعنا الصديقة الفة بكتاباتها الانيقة و الهادفة و الهزلية احيانا
شكرا

Hassen Achour a dit…

لماذا كلما طرح موضوع المرءة نجد اءنفسنا نقول ما لا نفعل نساءا و رجالا

amiralcafe a dit…

أستاذة ألفة أبدعتي
دام إبداعك