rss
twitter
    Find out what I'm doing, Tabbe3ni :p :)

13/05/10

كل من عليها فان

أذكر أنّ "برنار بيفو" منشّط البرامج الثقافية الفرنسية المعروف، قد دعا في إحدى الحلقات التلفزية الكاتب الإيطاليّ "أمبرتو إيكو". وإيكو إضافة إلى رواياته وكتبه في مجال السميوطيقا والدّلالة قد ألّف بعض الكتب السّاخرة يقرّ في إحداها بأنّ عدد الحمقى في العالم يزدادون يوما بعد يوم. وإذ سأله المنشّط توضيحا لكلامه أجابه ضاحكا بأنّ تزايد عدد السكان في العالم يفيد بالضرورة تزايدا لعدد الحمقى وإن بقيت النّسبة هي نفسها.
تذكّرت هذه الحصّة التلفزية وأنا أقرأ ما ورد في بعض المواقع من "شماتة" البعض لوفاة المفكّر المغربيّ الكبير عابد الجابري. ولن أتحدّث في هذا المقال عن عابد الجابري رحمه الله فكتبه أفضل من يحكي عنه وقرّاؤه خير من يتكلّمون في أفكاره. ولن أتحدّث عن أصحاب المواقع الإلكترونية التي تبثّ مثل هذه الأخبار فلن أدعمهم بالإشهار لهم ولا يمكن أصلا أن أحدّد هويّاتهم أو انتماءاتهم في زمن أصبح فيه الفضاء الافتراضي يسمح بجبن الاختفاء خلف الحواسيب ويتيح إمكان انتحال الهويّات لسبب أو لآخر.
ما يهمّني فكرة بسيطة وهي فكرة أن يشمت إنسان مّا لوفاة إنسان مّا. أو أن يتصوّر إنسان مّا أنّ الموت عقوبة تحلّ بإنسان مّا (تذكّروا ما قيل في بعض المواقع من اعتبار التسونامي عقابا ناتجا عن اقتراف الذّنوب، أو من يعتبر مرض السّيدا مثلا نتيجة للإباحيّة إلخ). إنّ هذه الأفكار لا تقوم فحسب على مغالطات فكريّة، هذا إذا اعتبرت أفكارا أصلا. ولكنّها تعبّر عن قلق نفسيّ نحاول بيان بعض وجوهه:
+ الوجه الأوّل: إنّ جملة "الإنسان كائن جنسانيّ وفان", جملة بسيطة تعرّف بالمرء. قد نقرؤها، نسمعها، نقولها. لكن من منّا يحسّ بأبعادها في عمق ذاته؟ أن تكون فانيا يفيد أنّ هناك حدّا لك لا يمكن أن تتجاوزه مهما فعلت. مهما جمعت من أموال، مهما حصلت من شهرة، مهما حصدت من ضروب نجاح...فإنّك فان. هذا هو القاسم المشترك بيننا جميعا، وهذا يعني أنّك منطقيّا ما أن تشمت في شخص مّا لأنّه مات، فإنّك في اللحظة ذاتها تعتبر أنّ الموت مجال للشماتة ومن ثمّ تشمت في نفسك. إنّك ما أن تتصوّر الموت "عقوبة" حتّى تجعل من البشر جميعهم معاقَبين بالقوّة. وهذا يكشف عن لا وعي دفين مسكون بالرّعب من الموت لا سيّما إزاء تنامي ثقافة عذاب الموت وما بعد الموت واستبدال إيمان الرّحمة والمحبّة بمذهبيّة الرّعب والكوابيس.
إنّ اللغة تفضح لا وعينا، فمن ذلك أنّه قد شاع في بلادنا أن نعمد إلى لفظ: "مسكين" للإشارة إلى شخص ميّت. وكأنّ الميّت يستحقّ منّا الشّفقة، نحن الميّتين بالقوّة. بل لعلّنا ميّتون أيضا بالفعل. أفلا يمكن أن نفهم قول الله تعالى: "إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ" على أساس أنّنا الآن نموت في كلّ لحظة نحياها وفي كلّ لحظة تمرّ من أعمارنا.
+ الوجه الثّاني للشّماتة "الحمقاء" في من يموت يقوم في رأينا على تصوّر ضيّق لمفهوم البقاء والزّوال. فإذا عدنا مثلا إلى المواقع الّتي تعتبر موت شخص مّا هلاكا له وبقاء لسواه من الشّامتين فإنّنا نتبيّن أنّ هؤلاء لا ينسون فحسب أنّهم بدورهم هالكون، ولكنّهم لا يعون أنّنا وإن نكن جميعا فانين فإنّ فناءنا لا يطال إلاّ ذواتنا الدّنيويّة وذلك بغضّ النّظر عن الاعتبارات الدّينية أو الفكريّة التي قد نختلف فيها، فسواء كنت مؤمنا بالآخرة وبحياة أخرى بعد الموت أو لم تكن مؤمنا بذلك فإننا في كلتا الحالين لا نتحدّث عن وقائع وإنّما عن اعتقاد. والاعتقاد في جوهره لا يحتاج إلى حجّة كما أنّه ممّا لا يمكن التّدليل عليه إذ الموت لا يوجد إلا بالنسبة إلى الأحياء، فالأموات لا يموتون ولا يحدّثوننا عن الموت. لذلك لن أتحدّث عن البقاء والزّوال من منظور ما بعد الموت فلكلّ منّا اعتقاده ونحن نحترم حرّية الاعتقاد الّتي أعتقد شخصيّا أنّ الله تعالى وهبنا إيّاها، ولكن تلك قضيّة أخرى.
قلت إنّي لن أتحدّث عن البقاء والزّوال من منظور ما بعد الموت ولكن من منظور هذه الحياة الدّنيا. وأعود إلى من يشمت في الهالك لتصوّره أنّه قد اختفى من الدّنيا لأدعوه بلطف إلى أن يتأمّل العالم حوله وسيجد أنّه عالم مصنوع من آثار من سبقونا. فنونهم، علومهم، أفكارهم، تاريخهم، جيناتهم، لولاها لما كنّا بل أكثر من ذلك نحن نحملها في ذواتنا إرثا على تاريخ البشر التي لا ينتهي بنهاية أحدهم أو بعضهم. نحن بعد الموت آثار لسوانا. فهل تساهم هذه الفكرة البسيطة في جعلنا نعي بأنّ الأهمّ ليس وعينا بوجودنا البسيط، وتمسّكنا بوهم الأنا الزّائفة والصّواب المطلق...وإنّما الأهمّ عطاؤنا للجماعة وعينا به أم لم نع؟ عطاؤنا للجماعة إن في حياتنا أو بعد مماتنا...
صحيح أنّنا جميعا هالكون أفرادا ولكنّ ذلك ليس مبرّرا لأيّ شماتة حمقاء مرضيّة في من يخالفنا. بكلّ بساطة لأنّنا وإن نكن هالكين أفرادا فإنّنا جميعا باقون يحملنا الآخرون أثرا لا يمكن محوه. ألا يذكّرنا هذا بمقولة للرّسول تجعل المؤمنين كالجسد الواحد وتجعلنا أعضاء، إذا مرض منّا عضو تتداعى له سائر الأعضاء بالسّهر والحمّى...فهل سمعتم يوما بعضو يشمت في عضو في جسد سليم؟ وإذا وُجدت اليوم مثل هذه الأصوات الشّامتة في موت أحد مّا أفلا يعني هذا أنّ مجتمعاتنا أجساد مريضة؟ ليس على المريض حرج لذلك يريد هذا المقال أن يندرج في باب التّشخيص عسانا معا نساهم في إيجاد شفائنا عبر المودّة والألفة والتّسامح.

Aucun commentaire: