من منّا لم يكذب يوما؟ اسمحوا لي أن أعتبر من أجاب عن هذا السؤال بالنّفي كاذبا...لا شك أن هناك مناسبة، موقفا محرجا، حسابات ضيّقة ولعلّها عامّة قد حملتنا يوما مّا على أن نقول قولا مخالفا للواقع. ولم أكن يوما من المتوهّمين ولا من الموهمين بإمكان تحوّل الإنسان إلى ملاك أو إلى مثال افتراضي لا يمكن أن يخطئ البتة. فإضافة إلى أن البشر خطّاء بطبعه فإني أومن بأن كل نفس قد أُلهمت فجورها وتقواها. على أنّي مع ذلك أعتقد أنّ علينا أن نذكّر أنفسنا ونذكّر الآخرين أحيانا ببعض حدود للكذب يجدر بنا أن ننشد عدم تجاوزها.
وأودّ في هذا المقال أن أحصر مقولي في كذبنا على الأطفال خصوصا، ذلك أنّ الطّفل ميّال دوما إلى أن يصدّق الكهل ولا سيّما الآباء والأمّهات والمعلّمين لاعتقاده بأنّ الكهل يعرف أكثر منه وبأنّه هو الّذي يحميه ويأخذ بيده عبر مجاهل العالم وأسراره. ورغم أنّ الطّفل والكهل بل الشّيخ سواء في عدم امتلاكهم أجوبة نهائية عن المسائل العميقة التي تخص الوجود البشري فإنّ افتقار الطّفل يجعله واثقا في الكهل في البدء على الأقلّ.
ومن اللافت للانتباه أنّ الكهل يستغلّ هذه الثّقة أحيانا ليكذب على الطّفل بطرق وأساليب مختلفة وفي مواضيع ومسائل متعدّدة يشير هذا المقال إلى بعضها وإلى ما قد ينتج عنها من آثار.
+ المثال الأوّل هو في رأيي الأخطر ويتمثّل في الكذب على الطّفل في منشئه وأصله. ويشمل هذا المثال خصوصا الأطفال الّذين يتمّ تبنّيهم. فالتبنّي مهما يكن شكله يهدف فيما يهدف إليه إلى رعاية طفل فقد لسبب أو لآخر رعاية الأسرة ولكنّه يهدف أيضا إلى تمكين بعض النّاس من اكتساب صفة الأم أو الأب، فليس المتبنّي خلوا من المصلحة ولا ملاكا يريد أن يفعل الخير فقط ولكنّه إلى ذلك يسعى إلى إرضاء حاجة نفسّية فرديّة, وهذا مشروع في حدّ ذاته. على أنّ ما نعدّه غير مشروع هو ما يذهب إليه بعض الوالدين بالتبنيّ من كذب على الطّفل بعدم إعلامه بأصله الحقيقي معتقدين في ذلك أنّهم بهذه "الكذبة" يحمون الطّفل أو يعبّرون له عن حبّ أكبر وحنان أعمق. وينسى هؤلاء الآباء أو لعلّهم لا يعرفون أنّ الطّفل يعرف بالسّليقة انتماءه الأصليّ، وينسون أنّهم بكذبهم يموضعون الطّفل في أصل كاذب فيقضون حياتهم كلّها محاولين أن يخفوا حقيقة لا يزيد سعيهم إلى إخفائها إلا ترسيخا لها. ومن كانت له فرصة التعامل النفسي أو العاطفي مع المتبنّين أطفالا كانوا أو شبابا أو كهولا يدركون أنّ جرح الانتماء الكاذب غائر وعميق، ولعلّهم يدركون أحد الأسباب التي من أجلها قال الله تعالى: "ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُم..."(الأحزاب/5).
+ المثال الثّاني يتمثّل في الكذب على الطّفل من حيث منشأه البيولوجي لا الرّمزيّ. فمن المعروف عن الأطفال أنّهم في سنّ معيّنة يكثرون من التساؤل حول طريقة مجيئهم إلى الدّنيا. وعادة ما تجد جلّ الآباء إمّا أن يُسكتوا الطّفل ويئدوا من ثمّ سؤاله في المهد أو أن يجيبوه أجوبة "كاذبة" لا علاقة لها بالحقيقة. ومن البديهي أنّ إجابة الطّفل في هذا السنّ بصدق لا تعني تقديم معلومات وحقائق بيولوجية بطريقة فجّة ومباشرة تتجاوز إدراكه وفهمه. وإنّما يعلّمنا المختصّون في نفسيّة الطّفل طرقا شتّى لإجابة الطّفل بصدق قائم على الترميز والتمثيل بما يفتح آفاق تصوّره للعالم من جهة وبما يجنّبنا من إسكاته عسفا وقمعا من جهة أخرى.
+ أمّا المثال الثالث فيتمثّل في تعاملنا الشائع مع الطّفل إزاء موت شخص قريب منه أثير إلى نفسه. فغالبا ما نجد بعض الآباء يكذبون على الطّفل لا سيّما إذا كان في سنيّه الأولى بإيهامه بأن المتوفّى مسافر مثلا. ولا يعرف هؤلاء الآباء أنّ الطّفل يعرف بفطرته أنّ ما يسمّونه سفرا وقتيّا ليس إلا غيابا نهائيّا. والأجدر في هذه الحال إدراج هذا الغياب ضمن طبيعة الحياة وتحويل الغياب المادّي إلى حضور رمزيّ لدى الطّفل, ولنا في المخزون الشعبي ما يمكّننا من ذلك كأن نقول للطّفل: إنّ فلانا ذهب بجوار الله تعالى أو أنّه في الجنّة إلخ...مع تأكيد أنّه لن يعود في هذه الدّنيا.
إنّنا في الأمثلة السّابقة أضمرنا في كثير من الأحيان إلى أنّ كذبنا على الطّفل مضرّ بتوازنه النّفسي، وذلك لسبب أساسيّ مفاده أنّ معرفة الإنسان بالحقائق لا تكون فحسب عبر اللغة وإنّما هناك أشياء "نعرفها" بحدسنا وفطرتنا ويذهب الكثيرون إلى أنّ هذا الحدس وهذه الفطرة أعمق لدى الطّفل.
ثمّ إنّه كلّما سعى المرء إلى إخفاء حقيقة مّا ظهرت تلك الحقيقة أكثر وأكثر بطرق وأشكال مختلفة. إنّ المكبوت والمسكوت عنه هو أكثر الأشياء توجيها لحياتنا. ومن أجمل الاستعارات الممثّلة لذلك ما يوسم ب"سرّ دار المشنوق". إذ تقول الحكاية أنّ أحد الأشخاص شنق نفسه باعتماد حبل، ولإخفاء ذلك السّرّ أصبحت كلمة "الحبل"، لدى عائلته وأصدقائه، من المحرّمات القوليّة لا يجوز النّطق بها. على أنّه في الآن نفسه تصبح هذه الكلمة من أكثر الكلمات حضورا وتأثيرا في نفس أهل الدّار لأنّها الكلمة التي يحرصون على إخفائها والصّمت عنها. إنّ من الكلام ما هو شفاء ومن الصّدق ما هو طمأنة للأطفال وسكينة لأنفسهم ومن ثمّ لأنفسنا.



Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire