عندما خرجت من القاعة التي شاهدت فيها المسرحيّة الجديدة لفاميليا للإنتاج: "يحيى يعيش" كنت منشطرة بين الاستسلام لمتعة الهزّة الفنّية أو الاستجابة لغواية إعمال الفكر والنّظر. وكان انشطاري هذا صدى لانشطار بصر المتفرّج بين مختلف أفضية الرّكح المسرحيّ وبين التوزيع المتشظّي للشّخصيّات والأدوار. لن أكتب في المسرحيّة لأنّها هزّتني، وأنا عادة لا أحبّ الكتابة النّقديّة تفسد جمال الأثر وتحاول أن تسيطر على ما لا يخضع لها وتنشد محاكاة المبدع فتفشل في أن تكون مبدعة وتفشل في أن تصمت. اتّخذت المسرحيّة فقط منطلقا لأستسلم لغواية التّفكير. اتّخذتها منطلقا لأنّ القائمين عليها يطرحون فيما يطرحون مسألة السّلطة والسّلطان، ولأنّهم في أحد مراحل المسرحيّة طرحوا استفهاما مثيرا على لسان إحدى الشّخصيّات تتساءل: من هو صاحب القرار؟
طُرح السؤال في بعده السياسي والاجتماعي في سياق المسرحيّة ولكن لا شيء يمنع من النّظر إليه في بعده الفلسفي...من صاحب القرار؟ من المسؤول عن أوضاع العباد والبلاد؟ نبدأ بالمسألة في بعدها الفرديّ...من المسؤول عن أشكالنا وانتماءاتنا العائليّة والأزمنة التي فيها نحيا والأفضية الّتي بها ولدنا أو تلك الّتي بها نعيش؟ قد يكون الأمر من المنظور الفرديّ يسيرا فالبعض يقرّ أنّ الفاعل الأوحد هو الله تعالى والبعض الآخر يقرّ أنّها الصّدفة وفي الحالتين لا نخرج عن افتراض موضع أصليّ في الكون هو صاحب القرار...أمّا إذا تجاوزنا المنظور الفرديّ واهتممنا بالمنظور الجماعي فإنّنا حينها نلج مجال السياسي أو ليست السياسة وفق تعريف كثير من الفلاسفة فنّ سياسة المجموعات؟ وكلّنا يعرف أنّ سياسة المجموعة تفترض سياسة مصالح مختلفة بل متضاربة في أغلب الأحيان: مصالح اقتصادية، مصالح اجتماعية وفي كثير من الأحيان مصالح نفسية خفيّة لا يعرفها حتّى صاحب المصلحة نفسه.
كيف يمكن سياسة هذه المصالح المتضاربة؟ يوهم بعض الناس بأن هناك طريقة مثلى واحدة...يوهمون بأنّه لو كان بيدهم الحكم لأصبحت المدينة الفاضلة واقعا فعليّا...وتجدهم يحصلون على الحكم أو ما يتصوّرون أنّه الحكم فإذا بسواهم يهبّون فرادى أو جماعات ليدّعوا أنّه لو كان الحكم بيدهم لانتفت من الأرض كلّ الشّرور...وتتوالى الأوهام، أوهام امتلاك العصا السحرية لحلّ مشاكل النّاس...وهم يخفي رغبة في امتلاك القرار في الكون ولكن هيهات...وتتوالى الأوهام، أوهام اعتبار الآخر حاكما كان أو محكوما منتقدا ثائرا أو عميلا أو خائنا أو عدوّا ...أوهام تخفي الرّغبة في إسقاط الشّرور كلّها على الآخر فيصبح الأنا هو الطّهارة المطلقة والآخر هو القذارة المطلقة...وتتوالى الأوهام، وهم أن يرحل "يحيى يعيش" ليحلّ محلّه "يعيش يحيى" أو لعلّه "زيد" أو "عمرو" بل لعلّها "فاطمة" أو "خولة"...الوهم في أنّ الفرد بل حتّى مجموعة الأفراد هي الّتي تفعل، تصنع، تتصوّر العالم وفق شكل معيّن وتنفّذ فيتحقق أمرها لمجرّد أنّها "صاحبة القرار"...الوهم الذي ينسى الأهمّ...ينسى ما فطن إليه -فيمن فطن إليه- الفيلسوف "شوبنهاور" وهو أنّ العالم لا تحرّكه إلا إرادة خفيّة لا يمكن لنا تمثيلها. ينسى هذا الوهم أنّ الإجماع المطلق مستحيل وأنّ اعتماد الكمّ مقياسا للأفضل لا يعوّل عليه وإن يكن عبر انتخابات حرّة نزيهة شفّافة سرياليّة لا تدخل فيها اعتبارات مصالح مهما تكن نوعها(راجع اعتبارات المصالح النفسية). ينسى هذا الوهم أنّ اختلافنا قدرنا وأنّ تقلّبات أزماننا جوهرنا...ينسى أن لا حاسوب يقدر على أن يحسب جماع العوامل المساهمة في حدث واحد لعلّه أبسط الأحداث في حياتنا الخاصّة والعامّة.
ينسى هذا الوهم أنّنا منشطرون بين أجسادنا وأقوالنا، بين وعينا ولا ووعينا، بين أصل لا يمكن أن نقوله وصورة مضلّلة نقولها متخيّلين أنّها تعبّر عن الأصل. ينسى هذا الوهم أنّ صاحب القرار ليس أنت ولا أنا ولا هو ولا هم ولا هما ولا أنتما ولا...ينسى أنّ صاحب القرار لا يمكن أن يكون إلاّ ذاك الّذي نشتاق إليه جميعا فلا يمكن أن ندركه...لا ندركه لأنّ الشّوق كما الحياة يسير دوما إلى الأمام في حين أنّ الأصل المشتاق إليه كما القرار ينبع من نقطة تسبقنا هي نقطة الأصل وعلامة البدء...
سنواصل الصّراع، سنواصل الكلام، سنواصل الفعل...سنظلّ نتصوّر أنّنا نحن الذين نتكلّم لا اللغة تتكلّم على ألسنتنا وسنظلّ نتصوّر أنّنا نحن الّذين نفعل لا الفعل يخاتلنا ليكون...سنظلّ نتصارع، نحمّل المسؤوليّة لصاحب القرار...نفكّر "نتكتك" لنصنع صاحب قرار آخر...نصرخ ونصيح لندافع عن صواب اختيارات أو نهاجم سوء قرارات.
ولكن فلنسمح لأنفسنا أحيانا أن نخرج من هذه الدّوّامة وإن افتراضا لننظر إلى الكون يسير بين طموحاتنا الصّغيرة وخوفنا المستتر وعنفنا المضمر أو الظّاهر لننظر إلى الكون ولو لحظات بعيدا عن نشداننا اعترافا بأنّنا الأفضل والأجمل والأذكى والأصدق والأحسن...الأكثر تواضعا الأعلم بمصالح الأنا والآخر... لنتأمّل العالم يسير خارج دعمنا موضوعا وانتقادنا آخر...
لنعترف فعلا لا قولا...لتعترف قلوبنا إذا كان لساننا محكوما بالعجز والحرمان من كلمة الكيان الأولى...لنعترف بأنّنا مهما نكن لسنا أصحاب القرار...لنعترف بأنّ صاحب القرار واحد لا يهمّ تسميتنا له...المهمّ أنّه بدل جحيم مصارعة "صانعي القرار" الوهميّين أو دعمهم، يمكن أن نجد واحة نعيم في متعة الاستسلام إلى الاسترقاق الأصليّ لصاحب القرار الواحد الأوحد...
طُرح السؤال في بعده السياسي والاجتماعي في سياق المسرحيّة ولكن لا شيء يمنع من النّظر إليه في بعده الفلسفي...من صاحب القرار؟ من المسؤول عن أوضاع العباد والبلاد؟ نبدأ بالمسألة في بعدها الفرديّ...من المسؤول عن أشكالنا وانتماءاتنا العائليّة والأزمنة التي فيها نحيا والأفضية الّتي بها ولدنا أو تلك الّتي بها نعيش؟ قد يكون الأمر من المنظور الفرديّ يسيرا فالبعض يقرّ أنّ الفاعل الأوحد هو الله تعالى والبعض الآخر يقرّ أنّها الصّدفة وفي الحالتين لا نخرج عن افتراض موضع أصليّ في الكون هو صاحب القرار...أمّا إذا تجاوزنا المنظور الفرديّ واهتممنا بالمنظور الجماعي فإنّنا حينها نلج مجال السياسي أو ليست السياسة وفق تعريف كثير من الفلاسفة فنّ سياسة المجموعات؟ وكلّنا يعرف أنّ سياسة المجموعة تفترض سياسة مصالح مختلفة بل متضاربة في أغلب الأحيان: مصالح اقتصادية، مصالح اجتماعية وفي كثير من الأحيان مصالح نفسية خفيّة لا يعرفها حتّى صاحب المصلحة نفسه.
كيف يمكن سياسة هذه المصالح المتضاربة؟ يوهم بعض الناس بأن هناك طريقة مثلى واحدة...يوهمون بأنّه لو كان بيدهم الحكم لأصبحت المدينة الفاضلة واقعا فعليّا...وتجدهم يحصلون على الحكم أو ما يتصوّرون أنّه الحكم فإذا بسواهم يهبّون فرادى أو جماعات ليدّعوا أنّه لو كان الحكم بيدهم لانتفت من الأرض كلّ الشّرور...وتتوالى الأوهام، أوهام امتلاك العصا السحرية لحلّ مشاكل النّاس...وهم يخفي رغبة في امتلاك القرار في الكون ولكن هيهات...وتتوالى الأوهام، أوهام اعتبار الآخر حاكما كان أو محكوما منتقدا ثائرا أو عميلا أو خائنا أو عدوّا ...أوهام تخفي الرّغبة في إسقاط الشّرور كلّها على الآخر فيصبح الأنا هو الطّهارة المطلقة والآخر هو القذارة المطلقة...وتتوالى الأوهام، وهم أن يرحل "يحيى يعيش" ليحلّ محلّه "يعيش يحيى" أو لعلّه "زيد" أو "عمرو" بل لعلّها "فاطمة" أو "خولة"...الوهم في أنّ الفرد بل حتّى مجموعة الأفراد هي الّتي تفعل، تصنع، تتصوّر العالم وفق شكل معيّن وتنفّذ فيتحقق أمرها لمجرّد أنّها "صاحبة القرار"...الوهم الذي ينسى الأهمّ...ينسى ما فطن إليه -فيمن فطن إليه- الفيلسوف "شوبنهاور" وهو أنّ العالم لا تحرّكه إلا إرادة خفيّة لا يمكن لنا تمثيلها. ينسى هذا الوهم أنّ الإجماع المطلق مستحيل وأنّ اعتماد الكمّ مقياسا للأفضل لا يعوّل عليه وإن يكن عبر انتخابات حرّة نزيهة شفّافة سرياليّة لا تدخل فيها اعتبارات مصالح مهما تكن نوعها(راجع اعتبارات المصالح النفسية). ينسى هذا الوهم أنّ اختلافنا قدرنا وأنّ تقلّبات أزماننا جوهرنا...ينسى أن لا حاسوب يقدر على أن يحسب جماع العوامل المساهمة في حدث واحد لعلّه أبسط الأحداث في حياتنا الخاصّة والعامّة.
ينسى هذا الوهم أنّنا منشطرون بين أجسادنا وأقوالنا، بين وعينا ولا ووعينا، بين أصل لا يمكن أن نقوله وصورة مضلّلة نقولها متخيّلين أنّها تعبّر عن الأصل. ينسى هذا الوهم أنّ صاحب القرار ليس أنت ولا أنا ولا هو ولا هم ولا هما ولا أنتما ولا...ينسى أنّ صاحب القرار لا يمكن أن يكون إلاّ ذاك الّذي نشتاق إليه جميعا فلا يمكن أن ندركه...لا ندركه لأنّ الشّوق كما الحياة يسير دوما إلى الأمام في حين أنّ الأصل المشتاق إليه كما القرار ينبع من نقطة تسبقنا هي نقطة الأصل وعلامة البدء...
سنواصل الصّراع، سنواصل الكلام، سنواصل الفعل...سنظلّ نتصوّر أنّنا نحن الذين نتكلّم لا اللغة تتكلّم على ألسنتنا وسنظلّ نتصوّر أنّنا نحن الّذين نفعل لا الفعل يخاتلنا ليكون...سنظلّ نتصارع، نحمّل المسؤوليّة لصاحب القرار...نفكّر "نتكتك" لنصنع صاحب قرار آخر...نصرخ ونصيح لندافع عن صواب اختيارات أو نهاجم سوء قرارات.
ولكن فلنسمح لأنفسنا أحيانا أن نخرج من هذه الدّوّامة وإن افتراضا لننظر إلى الكون يسير بين طموحاتنا الصّغيرة وخوفنا المستتر وعنفنا المضمر أو الظّاهر لننظر إلى الكون ولو لحظات بعيدا عن نشداننا اعترافا بأنّنا الأفضل والأجمل والأذكى والأصدق والأحسن...الأكثر تواضعا الأعلم بمصالح الأنا والآخر... لنتأمّل العالم يسير خارج دعمنا موضوعا وانتقادنا آخر...
لنعترف فعلا لا قولا...لتعترف قلوبنا إذا كان لساننا محكوما بالعجز والحرمان من كلمة الكيان الأولى...لنعترف بأنّنا مهما نكن لسنا أصحاب القرار...لنعترف بأنّ صاحب القرار واحد لا يهمّ تسميتنا له...المهمّ أنّه بدل جحيم مصارعة "صانعي القرار" الوهميّين أو دعمهم، يمكن أن نجد واحة نعيم في متعة الاستسلام إلى الاسترقاق الأصليّ لصاحب القرار الواحد الأوحد...


