rss
twitter
    Find out what I'm doing, Tabbe3ni :p :)

24/06/2010

اعتراف من موقع قرار


عندما تحصّلت على شهادة البكالوريا (منذ سنوات طويلة جدا) كان في نيّتي أن أدرس في شعبة الحقوق لكن ظروفا عائلية متصلة بمقرّ سكناي وصغر سنّي (آنذاك) حوّلت وجهتي إلى الحضارة واللغة العربية. وأذكر أن من الحجج التي اعتمدها والداي لإقناعي بالتخلي عن اختيار شعبة الحقوق ونيّتي الاتجاه إلى مجال القضاء حجّة عسر اتخاذ القرارات في مجال له صلة أيما صلة بمصائر العباد.

وما كان والداي يعلمان ولا كنت أعلم وقتها أن اتّخاذ القرارات فيما له صلة بمصائر العباد ليس حكرا على مؤسسة القضاء وحدها وإنّما كلّ واحد من البشر يجد نفسه مرّات كثيرة في حياته إزاء ضرورة اتّخاذ قرار له صلة بمصائر العباد.

تذكّرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته". ولمّا كنت لا أحب عبارة الرعية في معناه الاصطلاحي عبر التاريخ فإني أفضل قراءة هذا الحديث بالمعنى اللغوي لعبارة الرّاعي التي تفيد-فيما تفيد- معنى المسؤول عن موضوع ما أو شخص مّا.

وإنّي أريد اليوم أن أشرككم معي في اعترافات من "موقع قرار"، لعلّ كثيرا منكم يجدون فيها صدى لبعض ما صادفهم في هذه الحياة. وسأقتصر على حالات للتمثيل فحسب.

+ مثال أوّل: أوّل مسؤولية يشترك فيها كثير من النّاس هي المسؤولية إزاء الأبناء. وكم مرّة يجد الوالدان نفسيهما في موقع "حيرة" إزاء هذه المسؤولية. ليس هناك طبعا آباء مثاليّون ولا أبناء مثاليّون وأضرب كالعادة مثلا: يحصل أن يرتكب "طفل" خطأ مّا ويحصل أن يُعاقب على هذا الخطإ. فقط أسأل بصراحة هل يكون العقاب واحدا حتى إذا اختلفت الحالة النفسية للأب أو للأم عند ارتكاب الخطإ؟ هل يكون العقاب واحدا إزاء خطإ له في نفس الأب أو الأم صدى خاصّ (لاتّصاله بذكرى طفولية خاصة أو بمشكل نفسي عميق إلخ...). إلى أي مدى يمكن أن يعاقب الوالدان طفلا يعاني مشاكل كبيرة في الأسرة ويشهد كل يوم خلافات بين والديه إذا لم تكن نتائجه الدراسية كما يتصورها الوالدان؟ إلى أي مدى يُسمح لبعض الآباء –إشفاء لعقد عميقة في نفوسهم أو سعيا على التباهي والافتخار بأبنائهم- بإثقال كاهل الأطفال بأكثر مما يطيقونه من مجالات التعليم مهما تكن. ولعل هذا المثال الأخير ينطبق على كثير من الأطفال أرادهم آباؤهم أبطالا في مجال مّا ففشلوا وعوقبوا. هل هذا العقاب قرار صائب؟

أعترف أني كثيرا ما عاقبت أبنائي ثم تساءلت عن مدى استحقاقهم ذلك العقاب ومدى دور إرهاقي وقتها أو انشغالي أو لا مبالاتي أو عقدي في معاقبتهم.

+ مثال ثان: عادة ما تكون الاختبارات التي يصلحها المقيّمون خلوا من الأسماء سعيا إلى ضمان قدر أكبر من "الموضوعية". ولكن بعض الاختبارات تفرض على المقيّم ان يتّصل مباشرة بمن يقيّمه، وهذا شأن الاختبارات الشفويّة. فإلى أي مدى لا يؤثّر وضع "الطالب" في عملية تقييمه؟

أعترف أني في بعض الأحيان أجد نفسي محرجة إزاء طلبة قد لا يستجيبون لمقاييس المستوى التعليمي ولكنّهم نتاج نظام تربوي كامل فأتساءل عند تقييمهم عن مدى مسؤوليتهم عن مستواهم. فهل أعاقب الطالب معاقبة مجرّدة أم آخذ بعين الاعتبار تكوينه وتكوين زملائه ممّن لا يفوقونه في شيء ونجحوا لتسامح مفرط في مقاييس الإصلاح أو لعلاقة أحيانا مع فلان أو علاّن. بل أكثر من ذلك أعترف أني أجد نفسي محرجة إذا كان أمامي طالب شغل متزوج وعاطل عن العمل وله أبناء في كفالته وكان أمامي آخر دون مسؤولية عائلية. فهل يمكن أن يكون التقييم للاثنين في مناظرة موضوعيا؟ أليس من المفروض أن يدخل في الاعتبار البعد الاجتماعي؟ ولكن في الآن نفسه أليس إدخال هذا الاعتبار الاجتماعي ظلما للمترشح الآخر؟ بل لعله ظلم للمؤسسة إذا كان المترشح تنقصه بعض المؤهلات؟ ومن جهة أخرى ما العمل وأنا اعرف أنّ سواه لا مؤهلات له ومع ذلك يشتغل بطريق العلاقات أو سواها؟

+ مثال ثالث: كثير من الموظفين في بلادي يتأخّرون عن العمل. وتفرض القوانين تنبيههم ومعاقبتهم، وهذا في حد ذاته منطقي. ولكن إلى أي حد يمكن معاقبة موظف يركب ثلاث وسائل نقل أكثرها انضباطا تأتي بعد نصف ساعة؟ وإلى أي حد يمكن معاقبة موظف يأتي بشهادة طبية غير صادقة أحيانا لكي يقوم بعمل آخر لأن راتبه لا يكفيه إلا أسبوعين من الشهر؟ وإلى أي حد يمكن معاقبة الموظف في حين أن الطبيب الذي "يبيع" الشهائد الطبية لا يُعاقب؟

أعترف أني أحاول تطبيق القوانين الإدارية ولكن لا بطريقة آلية وإنما أتعامل مع الأفراد حالة حالة بما يسعى إلى أن يأخذ بعين الاعتبار الفرد والمؤسسة.

والحق أن هذا بيت القصيد، إننا إذ نكون مسؤولين وعلينا أن نتّخذ قرارا مهما يكن ذلك القرار نجد أنفسنا في كلّ الأحوال إزاء معطيين: المعطى الأوّل يقوم على القانون وحق المجتمع وحق المؤسسة أي إنّه اعتبار ينشد الموضوعية والمصلحة الاجتماعية. وهذا منطقي للحفاظ على نظام التجمعات البشرية (أليس هذا بوجه من الوجوه دور مدّعي الحق العامّ؟). ومعطى ثان يأخذ بعين الاعتبار الفرد في ظروفه المخصوصة من ظروف نفسية وأطر مادّية وحالات إنسانية (أليس هذا بوجه من الوجوه دور المحامي؟). وليس من الضروري أن يلتقي هذان الاعتباران الجماعي والفرديّ، وإنّما يظل القرار البشري منشطرا بينهما يذكّرنا بنسبيّتنا وبحدودنا وبمنزلتنا البشرية التي علينا أن نقبل بها. على أننا نوضّح فحسب أمرا أساسيا: إنّ هذه المنزلة البشرية شفيعة لنا إزاء بعض القرارات التي نعي بنسبيّتها ولكنها لا تشفع لأحد إزاء الظلم أو المحسوبية أو الرشوة حيث لا يسعى المرء إلى توفيق بين مصلحة الفرد الذي يكون مسؤولا عنه والجماعة التي ينتمي إليها وإنّما يسعى فحسب إلى إرضاء مصلحة ذاته الضيّقة فحسب...ولكن هذه مسألة أخرى...

17/06/2010

حكايتي مع "الدعاة



لكلّ فعل نقوم به أسباب واعية وأخرى لا واعية. وعدم معرفتنا بسبب أفعالنا لا تعني البتّة غياب هذه الأسباب. وأقرّ معكم منذ البدء أن لا أحد يعرف الدوافع العميقة لأفعاله فضلا عن أن يعرف الدوافع العميقة لأفعال غيره. على أن هذا الجهل بالقوّة شأنه في ذلك شأن كل جهل بما يحيط بنا لا يمنعنا من أن نحاول تفسير بعض الأشياء في إطار النسبية معتقدين أن رأينا وآراء سوانا تحتمل الخطأ والصّواب.
وممّا أريد أن أبحث في دوافعه هذا السعي المحموم لبعض أصحاب الإيديولوجيا الإسلاموية (وهم غير المسلمين) إلى إقناع غيرهم باتّباع رؤيتهم ومنهجهم. ولا يعني هذا أنهم الوحيدون في ذلك ولكني أتحدث عنهم لأن بريد رسائلي الإلكترونية قد تعب من كثرة رسائلهم واحد يدعوني إلى أن أسلك سلوكا مّا وثان يدعوني إلى أن أتزيّى بشكل مّا وثالث يطلب مني أن أعامل زوجي بأسلوب مّا ورابع يريدني أن أتكلّم بطريقة مّا وخامس يدعوني إلى التوبة ويبيّن لي طرق التوبة إلى غير ذلك.
ولمّا شكا إلى صندوق بريدي الإلكتروني الكمّ المهول من رسائل هؤلاء "الدّعاة" أجبته بأنّي أمحو باستمرار كلّ ما يُرسل إلي في هذا الإطار وأنّي أقوم بواجبي تجاهه بتخفيفه من كلّ ما لا يهتمّ به. ولكنّ يبدو أنّ صندوق بريدي الإلكتروني قد أُصيب بعدوى التفكير والتفلسف فإذا به يسألني في أحد الأيام: ما الذي يمكن أن يحمل هؤلاء الناس الذين أعرف بعضهم ولا أعرف جلّهم على مثل هذه "الهرسلة" البريديّة. فآليت على نفسي عهدا أن أقدّم له مقترح جواب على هذه الأعمدة.
+ فأمّا المقترح الأوّل فيتمثّل في تذكّر فكرة فلسفية مفادها أنه كلّما سعى المرء إلى إقناع الآخر بفكرة وكلّما قلق وتأزّم إذا لم يجد صدى لمشاركتك إياه هذا الاقتناع، دلّ ذلك على أنّ الشخص غير مقتنع بفكرته عميق الاقتناع. ذلك أنّ من كان مؤمنا في أعماقه بفكرة أو رأي أو موقف مهما يكن قد يدافع عن رأيه ولكنّه لا يشعر بالقلق إزاء اختلاف الآخرين عنه، ولا يجد في موافقة الغير له راحة واطمئنانا. إن المؤمن بفكرة يرتاح لإيمانه بتلك الفكرة وإن نفاها سواه من الناس جميعا، والمؤمن بفكرة لا يحتاج إلى إجماع حولها كي يتأكد أنه على صواب لا فحسب لأن الأغلبية لم تكن أبدا تمتلك-هي ولا سواها- الحقيقة، ولكن لأنّ رأي كل واحد منّا في أيّ شيء يعبّر ضرورة عن موقف شخصي بل فريد ولا يعبّر أبدا عن حقيقة الأشياء كما هي. وفي تفريق كانط بين الموضوع باعتباره ما تدركه الذات من جهة والشيء باعتباره في ذاته غير قابل للإدراك إلا دليل على ذلك. ولكن دعنا من التفلسف ولنأخذ مثالا بيداغوجيّا بسيطا من مجال شائع هو مجال كرة القدم. نعرف جميعا أن محبّي الفرق قد يتخالفون ويتصارعون ولكن كلّ واحد منهم "مقتنع" بفريقه، ومن مظاهر هذا الاقتناع أنك لا تجد محبّا للإفريقي مثلا يريد أن يقنع أخاه الذي يحبّ الترجي بأن يغيّر انتماءه. قد يمازحه قد يستفزّه قد يتخاصم معه ولكنّه لن يدعوه بحجج "مقنعة" إلى تغيير انتمائه، بكلّ بساطة لأنّ حبّه لفريقه لا يمرّ عبر حبّ جميع الناس له.
وفي مقابل ذلك، نجد في أعماق الدّاعي الإسلامويّ الملحاح واللجوج شكّا عميقا وقلقا أعمق يجعلانه مفتقرا إلى إقرارك وإلى موافقتك إياه كي يجد بعض اطمئنان. إن المؤمن الحق، خلافا لجل الدعاة الملحاحين- لا يتزعزع وإن لم يؤمن كل الناس، ولا يقلق وإن لم يوافقه أحد رؤيته للإيمان فهو يعرف أن عليه نفسه ولا يضرّه من ضلّ إذا اهتدى (هذا إذا افترضنا جدلا أنّنا مؤهلون لنعرف من ضلّ ومن اهتدى في حين أن الله تعالى يقول: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)
+ أمّا المقترح الثاني لسبب "هرسلة" الدّعاة بريدي الإكتروني فقد دلّني عليه ما رأيته في عيون إحدى زميلاتي وهي في خطبة عصماء منقولة عن أحد شيوخ الفضائيات من فخر وعناد وقوّة. إنّها أصبحت تتوهّم امتلاك السّلطة، أليست ممثّلة لله تعالى على الأرض، قد تكون ممثّلة من مرتبة ثانية باعتبار أن الشيخ الذي قدّم "الدّرس" هو الممثّل الأصليّ، ولكن لا يهمّ فحتّى التمثيل من درجة ثانية يعطيك سلطة. أنت تمتلك الحق، ترسل برسائل تعرف أن نشرها سيجعل الناس يحصلون على "كذا" أجر، وأنت تعرف أن فلانا مخطئ بل مرتدّ وأنّ عليه التوبة، وكيف ذلك؟ على يديك أنت. أنت البشر المسحوق في حياتك بين أعباء وأشغال وسلط عديدة تتعامل معها يصبح بيدك فجأة سلطة أن تدخل فلانا الجنة وفلانا النّار ويصبح بيدك فجأة أن تهدي الناس إلى الطريق المستقيم. فكيف لا تشعر بسكرة السلطة وأنت الّذي أصبحت بقدرتك على الهداية أكثر سلطة من الرسول الذي أخبره الله تعالى: إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ.
ولمّا وصلت إلى هذا الحدّ من تعليقي قاطعني صندوق بريدي الإلكتروني قائلا: إذا كانت هذه الهرسلة "الدّاعية" دليلا على ضعف الإيمان وشكّ فيه وإذا كانت هذه الهرسلة "الدّاعية" وجها من وجوه الطمع في السلطة لا يطمع فيها إلا مسحوق، فلا تمحي منّي هذه الرّسائل واتركيها شاهدا على أمّة رفضت أن تسلّم بأنّ الإسلام دين لا يقوم على الوساطة ورفضت أن تسلّم بأنّ القلوب لا يعرفها إلا الله ورفضت أن تسلّم بأنّ السّلطة لله تعالى وحده.

16/06/2010

برامج تلفزيونية على قنوات تونسية YTube

La chaine Youtube Olfa Youssef


http://www.youtube.com/olfayoussef5



من اجل القاطنين خارج الوطن و الذين يستطيعون النفاذ لليوتوب

...

Islam and Science


Olfa Youssef Hannibal Tv

........



.......

Un Livre En Quelques Minutes ..



.....




.........

Ala Hamech Sira Olfa Youssef


........




.........

Un Livre En Quelques Minutes ..

22222222


........................





.................

Ala Hamech Sira Slaves in Islam



......



..........


14/06/2010

برامج تلفزيونية على قنوات تونسية

نظرا لعدم سهولة النفاذ لميتاكافي نعيد نشر مقاطع الفيديو هذه على 4 شايرد و ممكن فيميو في المستقبل .


قناة حنبعل رمضان 2007 على هامش السيرة

الرق في الاسلام





قناة حنبعل رمضان 2008

الاسلام و العلم



قناة الشباب 21 كتاب في دقائق
1994




4 shared لقاءات تلفزيونية مع وسائل اعلام أجنبية

نظرا لعدم سهولة النفاذ لميتاكافي نعيد نشر مقاطع الفيديو هذه على 4 شايرد و ممكن فيميو في المستقبل .

معهد العالم العربي بباريس

Institut du monde arabe Paris

Octobre 2009




برنامج روافد قناة العربية الجزء الاول




الجزء الثاني



قناة فرانس 24


10/06/2010

سؤال ساذج




ألفة يوسف


لا ينكر عاقل أن ما حصل تجاه أسطول «الحرية» عمل إجرامي ينضاف إلى كثير من الأعمال الإجرامية التي ترتكبها إسرائيل. ولا ينكر عاقل أن حصار الأطفال والنساء والشيوخ في غزة وحرمانهم من أبسط الاحتياجات البشرية عمل وحشي وغاشم. ولا يمكن أن لا يدين عاقل هذه الأعمال الإجرامية. على أنه منذ الاعتداء السافر على سفينة الحرية التي كانت متجهة إلى غزة وأنا أقرأ وأقرأ وأقرأ... أقرأ مقالات فعلية وافتراضية، سياسية ودينية واجتماعية...منذ ذلك الاعتداء وأنا أسمع وأسمع وأسمع...أسمع تحاليل من كل حدب وصوب، وأشاهد صورا شتى على فضائيات مختلفة.

قرأت وسمعت... وأصابني القلق... وليس ما أقلقني الكتابة ولا الكلام فلكل واحد الحق في التعبير عما يجيش بنفسه...ما أقلقني- وقد أكون خاطئة- هو بعض طرق التعبير وضرب من مضامينها بدت لي أقرب إلى الاستفادة من «المسألة» واستغلالها إيديولوجيا من كونها تعبيرا عن رأي أو موقف حولها.

فهذا يعد القضية الفلسطينية جوهر العروبة وهويتها ويعتقد أنه لو اتحد العرب جميعهم لقُضي أمر الصهيونية. وذاك يؤكد أن الإيديولوجيا الإسلامية طريق إلى نجدة شعب فلسطين، وأن الطريق إلى القدس يمر عبر اعتناق «فكر» محمد بن عبد الوهاب. وذاك ينبري يشتم حكاما لا يأمرون بإقامة حرب مقدسة أو مدنسة. والآخر يفتخر بأن حكام بلاده مساندون للقضية مناصرون لها. والحق أنه لا يهمني هل نسي صاحب الإيديولوجيا القومية قصدا أم عفوا أن كثيرا من الصهاينة هم من العرب، ولا يهمني هل نسي صاحب الإيديولوجيا الإسلامية قصدا أم عفوا أن الآلاف من المساندين الفعليين لقضية فلسطين من النصارى ومن اليهود وممن لا ديانة لهم. ولا يهمني هل نسي من يشتم بعض حكام العالم قصدا أم عفوا أن للخارطة السياسية موازنات وحسابات و أكثرها مما نجهله وأنه قد يكون في بعض المواقف التي يشجبها بعض المتحمسين عمقا وحكمة نظر يثبتهما التاريخ (ويمكن للمتشكك أن يراجع خطاب الزعيم بورقيبة في أريحا). ولا يهمني أخيرا إن كان من يفتخر بأن حكام بلاده مساندون للقضية ناسيا قصدا أو عفوا أن المفاخرة لا تكون إلا بما يفعله المرء لا بما يفعله سواه.

أنا مستعدة لأن أضرب صفحا عن كل ما سبق. مستعدة لأن أساند معكم الإيديولوجيا التي تشاؤون وأن أسب وأشتم أو أهلل وأكبر للحكام الذين تريدون. ولكن قبل ذلك اسمحوا لي بأن أطرح مجرد تساؤل ساذج في المجال السياسي: لماذا تفعلون هذا كله؟

وليكن سؤالي أسذج وأسذج...هل تفعلون هذا كله لمناصرة قضية؟ لمساعدة أبرياء مهضومة حقوقهم؟ أم تفعلونه استخداما للقضية وللأبرياء من أجل خدمة مصالحكم الذاتية أو السياسية؟ أعرف أن السياسة مجال يضعف فيه الأخلاقي إزاء البرغماتي، ولكن لكل شيء حدودا .

قد أكون مبالغة في البحث عما وراء السطور، ولعلي مصابة بضرب من البارانويا العميقة بل ربما أكون بصدد فتح أبواب مفتوحة كما يقول المثل الفرنسي. ولكني بمبالغاتي وعصابي وابتذال كلامي، أرفض أن يصبح جوع الأطفال وتشرد اليتامى وسيلة في يد أبواق الدعاية وأصوات الإشهار الرخيص تدعو إلى إيديولوجيا معينة وتهاجم شخصا وتؤله آخر...وأرفض أن أتاجر واعية أو غير واعية بدم الشهداء ودموع من يتألم على أرض الواقع لأروج لفكرة أو أخطط لمنصب أو أبيع برنامجا إذاعيا أو تلفزيونيا.

أشرف لي حينئذ أن أذكر بأمر وألتزم بآخر. فأما ما أذكر به فهو أني أناصر القضية الفلسطينية وأندد بكل ما تقوم به إسرائيل من أعمال إجرامية لا أناصر وأندد بمقتضى عروبتي ولا بمقتضى إسلامي ولا اتباعا لأولي الأمر أو مناوأة لهم.... أناصر القضية الفلسطينية لأني أومن بمبادئ العدالة والكرامة والحرية للجميع، لأني إنسان بسيط أحلم مثل كثير من البسطاء بعالم يملؤه السلام والمودة... وأندد بكل ما تقوم به إسرائيل من أعمال إجرامية مثلما أندد بأي أعمال إجرامية عبر التاريخ حصلت أو ستحصل وإن كان مرتكبوها من عشيرتي وقومي، وكم ارتكب قومي من أخطاء عبر التاريخ.

وأما الأمر الوحيد الذي ألتزم به فهو الدعاء لكل المستضعفين في الأرض مهما تكن جنسياتهم وانتماءاتهم العرقية أو الدينية أو المذهبية أو السياسية مع وعي عميق بأن خير العمل ما كان في صمت وخير الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره.

ألفة يوسف

جامعية تونسية ومديرة المكتبة الوطنية

olfa.youssef@gmail.com


09/06/2010

أجيال

21/10/10


ليس من المستحدث أن نجد خلافا في الرّؤى والتصوّرات بين الأجيال. فهذا أمر عاديّ لأنّ تصوّر الإنسان للكون ليس جامدا متكلّسا وإنّما يتطوّر ويتبدّل بتقدّمه في السنّ وبتحوّل السّياق حوله سواء اتّصل الأمر بالسياق الداخلي الذّاتي أو بالسّياق الخارجي التاريخيّ. على أنّ ما نلحظه اليوم في مجتمعنا التونسي من اختلاف بين جيل الشباب وجيل الكهول أو المسنّين يكاد يبلغ في بعض الأحيان حدود القطيعة وتبادل التّهم.

اسمحوا لي أوّلا أن أعتذر عن استعمال مفاهيم جاهزة شأن الشباب أو الكهول إلخ، فلا يمكن رغم وعينا بنسبيّة هذه المقولات وتحوّلها في كلّ لحظة وآن إلاّ أن نخضع إلى سلطان المقولات اللغويّة تسيطر على فكرنا وتوجّهه غصبا عنّا أحيانا.

ولأنّنا واعون بنسبيّة هذه المقولات فسنحاول أن نتناول المسألة من منظور جيلين يفصل بينهما ربع قرن وهي الوحدة الزّمنيّة التي تعتمد عادة مقياسا لتحديد الأجيال.

من نافل القول اليوم الإقرار بأنّ مستوى الشّباب في اللغات اليوم هو مستوى متدنّ عموما. وكان الأمر مختلفا منذ ربع قرن إذ كان الشباب آنذاك يتقنون على الأقلّ لغة من اللغتين السّائدتين زمنها أي اللغة العربية الرّسميّة واللغة الفرنسيّة لغة المستعمرات الفرنسيّة سابقا. ومن اليسير الانخراط في مونولوج طويل يبكي فيه المرء على أطلال الزمن الماضي الجميل. وأعترف أنّ هذه السّهولة أغوتني أحيانا ولكنّ رغبتي في مساءلة كلّ شيء حملتني على أن أحاول تعميق النّظر في المسألة فوجدت أنّ جلّ شباب اليوم قد لا يتقنون اللغة العربية والفرنسية ولكنّ كثيرا منهم يتقنون اللغة الأنقليزيّة. وجلّهم أنشؤوا لغة جديدة، وإذا كانت كلمة لغة تحرج بعضكم فلنقل إنّهم قد أنشؤوا قواعد جديدة يستعملون بها اللغات السائدة ويوظّفونها توظيفا خاصّا. ولا أنكر أنّي أوّل الأمر لم أكن أفهم كثيرا مما كان يرسله لي بعض الشباب من رسائل قصيرة عبر الهاتف الجوّال أو عبر النّات وكدت أيأس من محاولة الفهم وأكتفي بأن أتّهمهم بالجهل بقواعد اللغة. ولكنّ بقايا درس سوسيري قديم ذكّرتني بأنّ وجهة النّظر اللسانيّة لا يمكن أن تكون معياريّة بل وصفيّة. وحاولتُ أن أقترب من استعمالاتهم هذه فوجدت نفسي أفهمها بعد بذل بعض الجهد في البداية.

إنّ كلامي هذا لايعني البتّة أنّ قواعد هذه اللغة الجديدة أفضل أو أردأ، فقد اتفقنا على أنّ التعامل المعياريّ لا يجدي نفعا. فقط أتساءل ألم أخطئ منذ البدء التعامل مع هذه الظاهرة الوليدة بمحاولة إخضاعها بالضّرورة إلى مقاييس جيلي فإن وافقَتْها قبلتُها وإن لم توافقها تهجّمتُ عليها نقدا وتجريحا.

وهاكم مثالا آخر. أنا لا أفهم البتّة في إحدى أنواع الموسيقى والغناء يُقال إنّ اسمها الرّاب. وقد ولجت يوما صفحة على الفايسبوك لمغنّ تونسي في هذا الضرب من الغناء فوجدتُ أنّ له أكثر من 30 ألف معجبا. واستمعتُ مرة صدفة إلى أحد أغاني هذا المغنّي، وأنتم تعرفون أن شوارعنا وأسواقنا تفرض عليك أحيانا أنماطا من الموسيقى لا تملك إزاءها إلا التسلّح بالصّبر والجلد. ولا أنكر أنّ كلمات هذه الأغاني استفزّتني بادئ الأمر وقد أعود إليها بإذن الله بالتّحليل في مقال قادم. ولكنّي وجدتُ نفسي بعد أيّام أخاطب نفسي: أيّهما أكثر عمقا؟ أن أحكم على هذا الضّرب من الغناء بأنه رديء وتافه وأنصرف إلى شؤوني انصراف المطمئنّ الواثق من صواب رؤاه واختياراته ومن أنّ ذوقه لم يجُد الزّمان بمثله قطّ أو أن أتساءل كيف يمكن أن نفسّر ميل كثير من الشّباب إلى هذا الضّرب من الموسيقى والغناء؟ ألا يمكن أن تكون الموسيقى والغناء اللذان أعدّهما راقيين ممّا لا يجيبهم عن عمق مشاغلهم وتطلّعاتهم. بل لعلّ تكويننا إيّاهم هو الّذي جعلهم لا يجدون ملجأ فنّيّا إلا في هذه الموسيقى. بل لعلّ الأمر أبسط من ذلك وأعمق في الآن نفسه. ألا يكون هؤلاء الشباب يجدون في الغرام بهذه الموسيقى وجها من وجوه الثّورة على الجيل السّابق الّذي يعدّونه واعين أو غير واعين مسؤولا عن أوضاعهم الحاضرة؟ ولعلّهم يجدون في الولع بهذه الموسيقى وجها من وجوه الاطمئنان بالانتماء إلى مجموعة يتفق أعضاؤها من أصدقائهم وأقرانهم في الميولات والخيارات.

إنّي من خلال ما سبق أطرح سؤالا بسيطا منطلقه مثال. فأمّا المثال المنطلق فهو أنّنا لا نكفّ عن اتّهام هذا الجيل بشتّى النعوت السلبيّة ولكنّ كثيرا منّا ما أن يجدوا عطبا أو خللا في حاسوبهم أو في هاتفهم الجوّال حتّى يهرعوا مذعورين إلى الأبناء يطلبون منهم العون والمساعدة. وأمّا السّؤال فهو: هل المشكل فينا أم في أبنائنا؟ وهل هناك مشكل أصلا؟ وبعبارة أخرى أليس منطلق ما نتوهّمه مشكلا هو أنّنا نريد أن نتعامل مع واقع متحوّل متحرّك -ككلّ شيء في الكون- بمقاييس جامدة ثابتة نتصوّر أنّها مقاييس مطلقة صالحة لكل الأزمان والأمكنة. وأليس منطلق ما نتوهّمه مشكلا أنّنا نرفض التحوّل باعتباره السّمة الأساسيّة على عدم قدرتنا على السّيطرة على الأمور وهو ما يرفضه عُصابنا الذي يتوهّم أننا مصدر كلّ شيء؟ وأليس منطلق المشكل المتوهَّم أنّنا نسينا أنّ اللغات تبدّلت وأنّ الأذواق تغيّرت عبر الأزمان وأنّ المجال الوحيد الذي يجب أن يُحافَظ عليه هو الأخلاق أو الإطيقا باعتبارها جوهر الاجتماع البشريّ وأساسه.

03/06/2010

أمّهات,,,ولكن

لا أخفي عليكم أني متردّدة كثيرا قبل كتابة هذا المقال لا لعدم إيمان بمضمونه فأنا لا أكتب إلا ما أومن به مع وعي عميق بنسبيّته, وإنّما منبع تردّدي أنّ موضوع المقال محاط بتصوّرات واعتقادات راسخة يعسر مناقشتها. ومن المعروف أنّ أيّ فكرة إذا تلبّستها "الكليشيهات" والأفكار العامّة غدت عصيّة على التفكيك والبحث الرّصين.
احتفلنا منذ أيّام بعيد الأمّهات، وهو يوم يختلف تاريخه من مجتمعات إلى أخرى مع اتّفاق جلّها في الاحتفال به. ويكون هذا اليوم مناسبة لتذكّر الأمّهات وشكرهنّ على تضحيتهنّ ويكون مجالا لتقديم الهدايا إلى الأمّهات والاعتراف لهنّ بأنّهنّ صانعات الأجيال يفنين أعمارهنّ من أجل الأبناء إلخ...
كلّ هذا أمر جميل، فصلة الرّحم من جوهر موروثنا الثقافي والدّيني ولا أقرب من أن نصل الرّحم الّذي احتضننا حتّى بلغنا هذه الحياة...كلّ هذا جميل فالعرفان لمن اهتمّ بنا في حال الافتقار الطّفوليّ ليس متّصلا بأمم دون أخرى أو بشعوب دون سواها وإنّما تفرضه الكلّيات الأخلاقيّة المشتركة بين البشر.
على أنّ ما يجب أن نتذكّره أمران:
+ الأمر الأوّل أنّ هو الأمّ في عطائها وحبّها وعنايتها إنّما تُرضي في الآن نفسه حاجة في نفسها. إنّها أيضا تشعر بمتعة مّا في تعاملها مع هذا الكائن الصّغير الّذي مهما كبُر يضلّ في مخيالها جزءا منها متّصلا بها. فالأمومة شأنها في ذلك شأن كلّ فعل نقدّمه للغير على أنّه تضحية ليس إلا فعلا يُرضي ذواتنا...على الأقلّ يرضيها بأن يجعلها تحسّ بأنّها ذات إيجابيّة ممتازة تفعل الخير، الإيثار سماتها، تتعذّب من أجل الآخرين. إنّ التّضحية الّتي نقول وندّعي، هذه التّضحية الّتي نودّ انطلاقا منها اعترافا بأنّنا الأفضل ليست في الحقيقة إلا وجها آخر لمتعة خفيّة عميقة تجمّل صورتنا في أعين أنفسنا قبل أن تجمّلها في أعين الآخرين.
+ الأمر الثّاني وهو الأهمّ يتّصل بما شاع استعماله من عبارات تربط رضا الله تعالى برضا الوالدين، بما يفيد منطقا أن رضا الله مشروط برضا مخلوق أي بما يجعل هذا المخلوق في مرتبة أهمّ من مرتبة الخالق. وهذا التصوّر غريب عن ثقافتنا العربية والإسلامية ذلك أن القرآن لا يأمر بطاعة الوالدين مطلقا وإنّما يأمر بالإحسان إليهما وبالدّعاء لهما بالرّحمة عرفانا لتربيتهما للإنسان صغيرا: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا- وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (الإسراء23/24). إنّ الطّاعة من المنظور الإسلامي لا تكون إلا لله وحده. والغريب أننا اليوم في مجتمعاتنا كثيرا ما نجد بعض الشباب ممزّقين بين ما يتصوّرونه رضا الوالدين وما يرغبون في القيام به ممّا يتلاءم ومقاصد الشريعة بالنسبة إلى المؤمنين وممّا يتلاءم مع الأخلاق البشرية الشّاملة بالنسبة إلى غير المؤمنين(وهما بالنسبة إلينا أمر واحد).
إن الأمثلة التي أذكرها مستقاة من حالات واقعيّة تحدّثت مع أصحابها ولمست ما يعانونه من آلام نفسيّة عميقة. "ن" شابّ تونسيّ تعرّف إلى امرأة، اتّفقا على الزّواج ولكنّ أمّ "ن" رفضت هذا الزّواج رفضا باتّا بدعوى أنّ المرأة التي يريد ابنها الزّواج منها امرأة مطلّقة من جهة وبأنّها تريده أن يتزوّج ابنة أختها..."س" فتاة تونسية ودّت الزّواج من شابّ رفضته أمّها لأنّ لونه لا يلائم الصّورة "المثاليّة" التي تراها هذه الأمّ لزوج ابنتها..."ع" و"ر" زوجان متّفقان، على أنّ أمّ الزّوج "ع" لا تكفّ على البحث عن عيوب لكنّتها ولا تنفكّ تصبّ جام لومها على ابنها لأنّه وفق تصوّرها يفضّل زوجته على أمّه، مع العلم أنّ "ع" يحسن لأمّه ويحبّها كثيرا. إلاّ أنّه هذه المدّة متألّم لأن أمّه تطلب منه أن ينفصل عن زوجته وتتّهمه بأنّه عاجز عن الوقوف أمام زوجته وقفة "رجال".... "م" أجبرتها أمّها منذ الصّغر على أن تتعلّم الموسيقى وفعلت خوفا وطمعا، وهي اليوم شابّة لا تريد أن تختصّ في الموسيقى في حين أنّ أمّها حريصة على أن تراها "نجمة" في هذا المجال(وفق عبارة الأمّ نفسها)...
هؤلاء الأبناء الّذين ذكرت أسرّوا إليّ ألمهم وحيرتهم وتمزّقهم بين رغباتهم وما يتصوّرونه رضا الأمّهات الّذي يؤدّي عدم رضاهنّ إلى عدم رضا الله. واستغرق الأمر جلسات كثيرة معهم حتّى يتبيّنوا إحساسا لا عقلا أنّ حبّ الأمّ والإحسان إليها لا يعني ارتفاعها إلى مرتبة الخالق. جلسات كثيرة حتّى تبيّن هؤلاء الشّباب أنّ الأمّهات بشر قبل أن يكنّ أمّهات وأنّ لكل واحدة منهنّ مشاكلها النّفسيّة وعقدها وحدودها وأخطاؤها. جلسات كثيرة مع هؤلاء الشّباب ليتفطّنوا إلى أنّ الدّوافع اللاواعية التي تحرّك سلوكنا تظل هي نفسها مهما تكن أدوارنا، وإلى أنّه لا يكفي أن تتحوّل المرأة من أنثى إلى أمّ حتّى تغدو فجأة ملاكا ما أن تضع ابنها. جلسات كثيرة حتى يظهر لهؤلاء الشباب أن لا أحد يعرف مصلحة نفسه فضلا عن يعرف مصلحة أحد آخر، وأنّنا جميعا نبحث عن حقيقتنا التي تختلف من شخص إلى آخر في إطار احترام القوانين. فهموا أنّ الإحسان إلى الأمّهات ومراعاة مشاعرهنّ وعدم إيلامهنّ أمر إيجابيّ ما لم يكن مجاله ما لا يرضي الله وما لا يرضي الأخلاق. وأحسّوا أنّ التمزّق الّذي سبّب آلامهم وهميّ مردّه الخلط بين موضعين: موضع الأصل الّذي يسمّيه المؤمنون الله وهو الخالق الأصلي للإنسان، وموضع بداية الحياة الّذي لا تمثّل الأمّ إلا صورة له. إنّ من يخلقنا ليس الأمّ ولا الأب ولا أيّ إنسان آخر، ونحن لا ندين بالحياة للأمّ ولا للأب ولا لأي إنسان آخر. الخالق هو ذاك الآخر الّذي نشتاق إليه دوما فنخطئ في بعض الأحيان رضاه لنرضي الوالدين وننسى أنّ الأمّ وكذلك الأب هما من النّاس وأنّ الله تعالى قال معاتبا رسوله(فما بالك بسائر الخلق): "...وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاه..."...
مهما تكن علاقتنا بأمّهاتنا ومهما يكنّ قريبات من نفوسنا ومهما يكن من واجبنا الإحسان إليهنّ فإنّ علينا أن نعي بأنّ لنا جميعا أصلا آخر نتموضع فيه، أصلا لا يخطئ ولا يخلط بين مصلحته اللاواعية وما يتصوّره مصلحتك، أصلا أراد أن تكون في الكون وإن لم ترغب أمّك فيك من حيث جنسك أو زمن مجيئك أو شكلك...، أصلا يرعاك دونما طمع في رعايتك، أصلا يرافقك في كل لحظة من لحظات حياتك وإن غابت أمّك...إنّ تومضعنا في هذا الأصل الجوهريّ يُخرجنا لا فحسب بل من الدائرة المحمومة للسعي إلى إرضاء الأمّ مهما يكن الثمن ولكن يخرجنا من الدائرة المحمومة للسعي إلى إرضاء أي مخلوق مهما يكن، لا ننشد إلاّ أن نرضي أخلاقنا وضمائرنا ومبادئنا. ولكن تلك قصّة أخرى...