عندما تحصّلت على شهادة البكالوريا (منذ سنوات طويلة جدا) كان في نيّتي أن أدرس في شعبة الحقوق لكن ظروفا عائلية متصلة بمقرّ سكناي وصغر سنّي (آنذاك) حوّلت وجهتي إلى الحضارة واللغة العربية. وأذكر أن من الحجج التي اعتمدها والداي لإقناعي بالتخلي عن اختيار شعبة الحقوق ونيّتي الاتجاه إلى مجال القضاء حجّة عسر اتخاذ القرارات في مجال له صلة أيما صلة بمصائر العباد.
وما كان والداي يعلمان ولا كنت أعلم وقتها أن اتّخاذ القرارات فيما له صلة بمصائر العباد ليس حكرا على مؤسسة القضاء وحدها وإنّما كلّ واحد من البشر يجد نفسه مرّات كثيرة في حياته إزاء ضرورة اتّخاذ قرار له صلة بمصائر العباد.
تذكّرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته". ولمّا كنت لا أحب عبارة الرعية في معناه الاصطلاحي عبر التاريخ فإني أفضل قراءة هذا الحديث بالمعنى اللغوي لعبارة الرّاعي التي تفيد-فيما تفيد- معنى المسؤول عن موضوع ما أو شخص مّا.
وإنّي أريد اليوم أن أشرككم معي في اعترافات من "موقع قرار"، لعلّ كثيرا منكم يجدون فيها صدى لبعض ما صادفهم في هذه الحياة. وسأقتصر على حالات للتمثيل فحسب.
+ مثال أوّل: أوّل مسؤولية يشترك فيها كثير من النّاس هي المسؤولية إزاء الأبناء. وكم مرّة يجد الوالدان نفسيهما في موقع "حيرة" إزاء هذه المسؤولية. ليس هناك طبعا آباء مثاليّون ولا أبناء مثاليّون وأضرب كالعادة مثلا: يحصل أن يرتكب "طفل" خطأ مّا ويحصل أن يُعاقب على هذا الخطإ. فقط أسأل بصراحة هل يكون العقاب واحدا حتى إذا اختلفت الحالة النفسية للأب أو للأم عند ارتكاب الخطإ؟ هل يكون العقاب واحدا إزاء خطإ له في نفس الأب أو الأم صدى خاصّ (لاتّصاله بذكرى طفولية خاصة أو بمشكل نفسي عميق إلخ...). إلى أي مدى يمكن أن يعاقب الوالدان طفلا يعاني مشاكل كبيرة في الأسرة ويشهد كل يوم خلافات بين والديه إذا لم تكن نتائجه الدراسية كما يتصورها الوالدان؟ إلى أي مدى يُسمح لبعض الآباء –إشفاء لعقد عميقة في نفوسهم أو سعيا على التباهي والافتخار بأبنائهم- بإثقال كاهل الأطفال بأكثر مما يطيقونه من مجالات التعليم مهما تكن. ولعل هذا المثال الأخير ينطبق على كثير من الأطفال أرادهم آباؤهم أبطالا في مجال مّا ففشلوا وعوقبوا. هل هذا العقاب قرار صائب؟
أعترف أني كثيرا ما عاقبت أبنائي ثم تساءلت عن مدى استحقاقهم ذلك العقاب ومدى دور إرهاقي وقتها أو انشغالي أو لا مبالاتي أو عقدي في معاقبتهم.
+ مثال ثان: عادة ما تكون الاختبارات التي يصلحها المقيّمون خلوا من الأسماء سعيا إلى ضمان قدر أكبر من "الموضوعية". ولكن بعض الاختبارات تفرض على المقيّم ان يتّصل مباشرة بمن يقيّمه، وهذا شأن الاختبارات الشفويّة. فإلى أي مدى لا يؤثّر وضع "الطالب" في عملية تقييمه؟
أعترف أني في بعض الأحيان أجد نفسي محرجة إزاء طلبة قد لا يستجيبون لمقاييس المستوى التعليمي ولكنّهم نتاج نظام تربوي كامل فأتساءل عند تقييمهم عن مدى مسؤوليتهم عن مستواهم. فهل أعاقب الطالب معاقبة مجرّدة أم آخذ بعين الاعتبار تكوينه وتكوين زملائه ممّن لا يفوقونه في شيء ونجحوا لتسامح مفرط في مقاييس الإصلاح أو لعلاقة أحيانا مع فلان أو علاّن. بل أكثر من ذلك أعترف أني أجد نفسي محرجة إذا كان أمامي طالب شغل متزوج وعاطل عن العمل وله أبناء في كفالته وكان أمامي آخر دون مسؤولية عائلية. فهل يمكن أن يكون التقييم للاثنين في مناظرة موضوعيا؟ أليس من المفروض أن يدخل في الاعتبار البعد الاجتماعي؟ ولكن في الآن نفسه أليس إدخال هذا الاعتبار الاجتماعي ظلما للمترشح الآخر؟ بل لعله ظلم للمؤسسة إذا كان المترشح تنقصه بعض المؤهلات؟ ومن جهة أخرى ما العمل وأنا اعرف أنّ سواه لا مؤهلات له ومع ذلك يشتغل بطريق العلاقات أو سواها؟
+ مثال ثالث: كثير من الموظفين في بلادي يتأخّرون عن العمل. وتفرض القوانين تنبيههم ومعاقبتهم، وهذا في حد ذاته منطقي. ولكن إلى أي حد يمكن معاقبة موظف يركب ثلاث وسائل نقل أكثرها انضباطا تأتي بعد نصف ساعة؟ وإلى أي حد يمكن معاقبة موظف يأتي بشهادة طبية غير صادقة أحيانا لكي يقوم بعمل آخر لأن راتبه لا يكفيه إلا أسبوعين من الشهر؟ وإلى أي حد يمكن معاقبة الموظف في حين أن الطبيب الذي "يبيع" الشهائد الطبية لا يُعاقب؟
أعترف أني أحاول تطبيق القوانين الإدارية ولكن لا بطريقة آلية وإنما أتعامل مع الأفراد حالة حالة بما يسعى إلى أن يأخذ بعين الاعتبار الفرد والمؤسسة.
والحق أن هذا بيت القصيد، إننا إذ نكون مسؤولين وعلينا أن نتّخذ قرارا مهما يكن ذلك القرار نجد أنفسنا في كلّ الأحوال إزاء معطيين: المعطى الأوّل يقوم على القانون وحق المجتمع وحق المؤسسة أي إنّه اعتبار ينشد الموضوعية والمصلحة الاجتماعية. وهذا منطقي للحفاظ على نظام التجمعات البشرية (أليس هذا بوجه من الوجوه دور مدّعي الحق العامّ؟). ومعطى ثان يأخذ بعين الاعتبار الفرد في ظروفه المخصوصة من ظروف نفسية وأطر مادّية وحالات إنسانية (أليس هذا بوجه من الوجوه دور المحامي؟). وليس من الضروري أن يلتقي هذان الاعتباران الجماعي والفرديّ، وإنّما يظل القرار البشري منشطرا بينهما يذكّرنا بنسبيّتنا وبحدودنا وبمنزلتنا البشرية التي علينا أن نقبل بها. على أننا نوضّح فحسب أمرا أساسيا: إنّ هذه المنزلة البشرية شفيعة لنا إزاء بعض القرارات التي نعي بنسبيّتها ولكنها لا تشفع لأحد إزاء الظلم أو المحسوبية أو الرشوة حيث لا يسعى المرء إلى توفيق بين مصلحة الفرد الذي يكون مسؤولا عنه والجماعة التي ينتمي إليها وإنّما يسعى فحسب إلى إرضاء مصلحة ذاته الضيّقة فحسب...ولكن هذه مسألة أخرى...


