| Réactions : |
| Réactions : |
انتهت كأس العالم لكرة القدم وبقيت منها نتائج مباريات وذكريات لقطات وأساليب تنظيم وفنّيات لاعبين. المهمّ أنّها مثل كل شيء في هذه الدّنيا دخلت طيّ التّاريخ، على أنّ ما ميّز هذه الكأس العالميّة حكاية الأخطبوط بول الّذي يبدو أنّه قد "تنبّأ" بالفريق الفائز ضمن جميع مباريات الفريق الألماني، كما تنبّأ بالفريق الفائز في المباراة النهائية.
والحقّ أنّي لا أنوي في هذا المقال أن أحدّثكم عن كرة القدم ولا عن أنواع الأخطبوط. وإنّما أردت أن أتّخذ حكاية بول منطلقا للإشارة إلى ما قد يوجد في هذا الكون من ظواهر تتجاوز أفهامنا وعقولنا.
يريد هذا العصر أن يوهمنا بأنّنا نسيطر على كل شيء، قادرون بضغطة زرّ من الفأرة على أن نفتح آلاف المواقع تعرّفنا إلى ما نشاء من معلومات وأخبار، قادرون على أن نخاطب شخصا يبعد عنّا آلاف الكيلومترات بالصوت وبالصورة، قادرون على أن نرسل معلومة في أقلّ من الثّانية، قادرون على أن نتقاسم مع من نريد في لحظات صورا ولقطات فيديو وأنواع موسيقى.
يوهمنا هذا العصر بأننا قادرون على تحقيق شباب دائم، قادرون بعمليات تجميل متنوّعة ومتعدّدة أن نغيّر أشكالنا كما نريد. يوهمنا هذا العصر بأنّنا نخطّط كل شيء، نعرف ما سيحصل في مجتمعاتنا بعد سنوات: عدد السكان وأنواعهم وأنماط الاقتصاد والإيديولوجيات السّائدة وسواها.
ولأنّ هذا العصر يوهمنا بالقدرة على السيطرة على كل شيء فإنّه يقدّس العقلانية ويعتبر أنّ المرء عقل قبل كل شيء ويحاول أن ينسى أو يتناسى كل الدوافع اللاواعية التي تحرّك البشر ويحاول أن يخفي كل ما له صلة بالضعف والألم والهشاشة البشريّة.
ولأنّ هذا العصر يوهمنا بالقدرة على السيطرة على كل شيء تجد الكثيرين ممّن آمنوا بوهم المقدرة والسيطرة هذين يفقدون كلّ الضّوابط ما أن يحلّ بهم حدث غير مبرمج أو غير مسيطر عليه. ويكفي أن أذكر في هذا المجال مثالي الموت والمرض. فمن منّا لا يعرف أشخاصا آمنوا بقدرتهم على السيطرة على كل شيء فإذا بوفاة عزيز عليهم أو بإصابتهم بمرض خطير تُدخل على نفوسهم الاضطراب والتساؤل وقد ينتهي الأمر في كثير من الأحيان بالاكتئاب.
ولعلّي لا أبالغ إذا ذهبت إلى أنّ كثيرا من أنواع الاكتئاب في هذا العصر مردّها ما يصيب بعض النّاس من صدمات ما أن يفقد عالمهم المنظّم توازنه الوهميّ الهشّ وما أن يتذكّروا أنّ هناك أشياء تتجاوز أذهاننا وأفهامنا، وأشياء لا يمكن أن نسيطر عليها.
منذ سنوات طويلة كانت الجدّات يقصصن علينا خرافات يمتزج فيها الواقعيّ بالخيالي بالعجيب، وكانت أذهاننا الطفولية الصغيرة تحلم وتتخيّل وتنشد شوقا إلى غائب غير موجود. أمّا اليوم فإنّ هذا العالم يحاول أن يقدّم لنا أجوبة عن كلّ شيء. يقتل في نفوسنا حبّ الاستطلاع، يدفن السؤال والحيرة والانتظار إزاء مظاهر يقين عقلاني وتكنولوجي زائف مهما يتطوّر لا يمكن أن يجيب المرء ولو عن شبه سؤال من تساؤلاته الوجوديّة الجوهريّة.
قديما كان النّاس يؤمنون بالقدر خيره وشرّه، بالبركة، بتأثير عين الحاسد. واليوم إذا تحدّثت عن القدر فأنت خانع تشجع على التواكل والكسل، وإذا تكلّمت عن البركة أو عين الحاسد مثلا فأنت في أحسن الأحوال بسيط ساذج.
اليوم أصبح كل شيء محدّدا مقنّنا نهائيا. حتى لحظات مناجاة الإنسان لله خالقه أصبحت تخضع لوصفات مخصوصة دقيقة. ففي حال المرض تقول كذا وعند الدخول إلى السوق تقول كذا، وقبل أن تدعو على شخص برحمة الله تستشير وسيطا يعطيك الجواب الصّحيح. يوم الجمعة الأفضل أن تقرأ سورة كذا، ويوم الأربعاء الأفضل أن تقول الدعاء كذا، وقبل النوم الأحسن أن تقرأ سورة كذا إلخ...حتى لحظات المناجاة الصّادقة مع الله تعالى، تلك اللحظات التي يتوه فيها الإنسان ويناجي كلّ عابد معبوده كما يشاء، باللغة التي يحسّ بالكلمات التي ترتسم على شفتيه بلا اتّساق سوى اتّساق الصّدق وبلا منطق سوى منطق المحبّة وبلا هدف سوى هدف مخاطبة العاشق المعشوق، تلك اللحظات يريد هذا العصر العقلاني الذي يعرف كل شيء أن يقنّنها ويضبطها ويحرمها أجمل ما فيها: تلقائيتها وصدقها.
شكرا للأخطبوط بول...ذكّرنا بأنّ هذا العالم طريق نسير في شعابه قد نحاول أن نسيطر على بعض تفرّعاته وأن ننظّم بعض خطواتنا فيه. أمّا أن ندّعي أنّنا نعرف كلّ شيء ونفهم كلّ شيء ونخطّط لكلّ شيء فليس هذا إلا وهما تبيعنا إيّاه ثقافة الهمبورغر، ثقافة الجواب الجاهز والسّريع تنشد تحويلنا إلى مجرّد حواسيب عاقلة مستهلكة وتنسى أنّ جوهر حياتنا البشريّة هو أن نضرب على غير هدى شوقا إلى معنى لا يمكن أن يُقنّن أو يُنظّم وإنّما يكتفي بأن يُقبل ويُحسّ في رضا وراحة وطمأنينة...
| Réactions : |
| Réactions : |
| Réactions : |
Olfa Youssef Blog All Rights Reserved. Blogger Template created by Deluxe Templates
Free Blogger Templates andWordpress Theme by Skinpress, download Free Wordpress Templates

