rss
twitter
    Find out what I'm doing, Tabbe3ni :p :)

29/07/10

من ثقافة الحق إلى ثقافة العطاء

يتكاثر في عصرنا هذا الحديث عن الحقوق: حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل وغيرها. والاهتمام بالحقوق ودعمها من الوجهة الاجتماعية وتنظيم العلاقات بين البشر مظهر من مظاهر سعي المجتمعات إلى رقيّ أكبر وتمدّن أعمق ونشدان تحقيق أكثر ما يمكن من ضروب المساواة بين الناس.
على أنّ للاختيارات الاجتماعية أصداء أخرى عميقة لاواعية في نفوس البشر ومخيالهم الشّائع. فقد أصبح تصوّر كثير من الناس للعلاقات بعضهم ببعض قائما على مفهوم الحق بل أصبح تصوّر كثير من الناس لوضعهم الوجودي في الحياة قائما على مفهوم الحق بما ينتج عنه من مطالبة مستمرّة وشكوى دائمة.
وإنّنا نذهب إلى أنّ العلاقات بين البشر لا تقوم فحسب على الحقوق(رغم أهميتها في المجال الاجتماعي) بل إنّها تقوم في أصلها وعمقها على مفهوم العطاء. فهل المحبّة حقّ؟ هل نتصوّر شخصا يقول لآخر مهما تكن علاقته به: من حقّي أن تحبّني؟...وهل الهديّة حقّ؟ هل نتصوّر إنسانا يقول لآخر: من حقّي أن تهديني شيئا مّا؟ إنّك لا يمكن أن تأخذ من شخص في عمقه إلا ما يريد أن يعطيك إيّاه...قد تغصبه على ما تشاء ولكنّك لن تستطيع أن تغصبه على أن يغيّر ما يفكّر فيه أو ما يشعر به لأنّ ذاك مجال العطاء لا مجال الحق...ومن أزمات عصرنا هذا أننا نسينا في غرقنا في طوفان المطلبيّة الحقوقية أبعاد العطاء الحرّ الاختياري للآخر ومعانيه العميقة.
وإنّنا نرى أنّ قيام الدّنيا على مفهوم العطاء يتجلّى أكثر وأكثر إذا تأمّلنا وضعنا الوجودي البشري في هذه الحياة. إنّ كلّ ما "نملكه" (أو نتوهم أننا نملكه لأننا لا نملك شيئا) ليس حقّا. الحياة أوّلا هي هبة لنا فليس من حقّ أيّ واحد منّا أن يكون حيّا موجودا في هذه الدّنيا. وكلّ ما سوى ذلك من باب الهبة أيضا. فهل يمكن أن يقول المرء: إنّ من حقّي أن أكون مبصرا؟ أو إنّ من حقّي أن أسمع؟ أو إن من حقّي أن أمشي على رجليّ؟ أو إنّ من حقّي أن أقوم كلّ صباح فأستطيع أن أحرّك أعضاء جسمي؟.وإنّ من حقّي أن أجد في هذه الحياة أناسا أرتاح لهم ويملؤون حياتي مودّة وإنّ من حقّي أن يظلّ هؤلاء الناس موجودين ولا يرحلوا بسبب أو بآخر؟
هذا كلّه ليس من باب الحقّ وإنّما هو من باب ما نتمتّع بع عطاء...وإذا تأمّلنا في ذواتنا وحولنا لوجدنا أن جوهر وجودنا في الكون هو العطاء...كلّ ما لدينا وكلّ ما نتمتع به في الحياة هو من باب العطاء الّذي لم نطلبه ولم نطالب به وإنّما وُهب لنا بلا أيّ داع سوى داعي الهبة الخالصة.
إنّ وعينا بأنّ الحياة قائمة على العطاء والهبة بلا مقابل من شأنه أن يحقّق أمرين:
أوّلهما أن نتعلّم كيف نتمتّع بكلّ ما وُهب لنا وأن نتعلّم كيف لا نضيع أعمارنا في التحسّر على ما لم نحصل عليه وكأنّه حقّ من الحقوق الضّائعة. إنّ الاهتمام بما لم ننله يضيع علينا متعة التمتع بما نلناه وهو كثير بل أكثر مما نتصور. وإنّ الاهتمام بما لم ننله إنّما هو الطريق الأسرع نحو الغيرة والحسد والشعور بالاضطهاد وبالنقص والكره...وفي مقابل ذلك فإن الاستمتاع بما نلناه وشكر الواهب على هبته المجانية طريق نحو الرضا والمحبّة.
أمّا الأمر الثّاني النّاتج عن حلول ثقافة العطاء فينا بدل ثقافة المطلبيّة الحقوقيّة فهو أن نعرف أنّ ما وُهب لنا بلا سبب عقليّ منطقيّ ليس ملكا أبديّا لنا. وهذا يعني أنّه يمكن أن يُؤخذ بلا سبب عقليّ منطقيّ أيضا. وهذا ما يدعونا إلى التمتع أكثر بكل ما ومن وُهب لنا ويدعونا إلى أن نسعى إلى إسعاد من يحيطون بنا أفليس أنهم قد يرحلون في أي لحظة؟
وبين هذا وذاك فالأهمّ في رأيي أنّ ثقافة العطاء تعلّم المحبّة...محبّة من وَهب لنا كلّ هذا...ومحبّة ما وُهب لنا بالتمتع به وهو حاضر وبالتمتع به وهو غائب وإن رحل أو انتهى.إنّ الجاحد وحده ينسى ما حظي بعطائه فلا يتمتع بما هو موجود لديه والجاحد وحده ينسى أنّه قد حظي بالعطاء وإن غاب عنه فلا يتمتّع بما كان موجودا...أفليس الجحود هو المعنى اللغوي للكفر؟ وأليس أنّ جوهر ثقافة العطاء عبارة: الحمد للّه؟

22/07/10

الدنيا مع الواقف

منذ مدّة دُعيت إلى لقاء فكريّ تحدث فيه مثقف معروف من هذه البلاد الطيبة. مثقف أعطى كثيرا لهذا الوطن فكرا وعملا ومساهمات. ولم يكن عدد الحضور يومها يتجاوز عدد أصابع اليدين. كان النقاش مع ذلك ثريا وممتعا. ولكنّ نفسي الأمّارة بالتأمّل في كلّ شيء وضعت على شفتيّ سؤالا بسيطا وهو: لماذا لم يحضر إلا عدد قليل هذا اللقاء رغم حصول الإشهار اللازم له؟
وحملتني ذاكرتي إلى أيّام كنت فيها طفلة صغيرة وكنت أشاهد على شاشة التلفزيون جموعا تستمع إلى هذا السيّد نفسه وهو يخطب ويتكلّم ورأيت نفسي أشاهد على الصفحات الأولى للصحف اسمه بالبنط العريض. كان ذلك منذ ثلاث عشريّات.
الرّجل هو الرّجل وكتاباته هي نفسها ومساهماته الجادّة ما تزال متواصلة. ومع ذلك هجر الجمهور قاعة المحاضرات. وكدت كعادة كلّ الّذين أسنّوا أن أسيء الظن بجيل اليوم وأعتبر أن سبب هجرانهم عدم اهتمامهم بالثقافة والفكر ولكني فطنت إلى أنّ القاعة خلو أيضا من رفاق هذا المثقف من جيله وأعرف أنّ كثيرا منهم على قيد الحياة ولا تعوزه الصحة ولا الإمكانات المادية للتنقل.
ولا أدري لماذا التمعت في ذهني عندها صورة لقاء سابق كان "بطله" منذ أسبوع شخصا لا علاقة له بالثقافة ولا بالفكر ولا هم يحزنون وتذكّرت الجموع المتدافعة للاستماع إلى هذا الرجل وبينهم مثقفون وشخصيات مرموقة. وفطنت رغم سذاجتي إلى أنّ هؤلاء الحضور سبقهم إلى مكان اللقاء ما يعرفونه عن هذا الرّجل من ثراء وعلاقات نفوذ بأنواعها المختلفة. واستمعت إلى صوت تصفيقهم على ما كان يقوله هذا الرجل أو ما كان يحاول قوله، وتساءلت: بعد مرور عشرات السنين وبعد أن يخفت بريق الشهرة أو المال أو السلطة أو سواها، هل ستتدافع هذه الجموع أو سواها للاستماع والتصفيق والتهليل؟
لا أريد أن أشتم المستقبل كما يقول المثل الفرنسي ثم إنّه لا يعلم الغيب إلاّ الله...على أنّي وجدتُ أمامي تجسيما لكلمات كنت أسمعها من جدّتي رحمها الله وهي: الدنيا مع الواقف، يا بنيّتي.
ما معنى الدّنيا مع الواقف بالنسبة إلى الواقف وبالنسبة إلى من يصفق للواقف لأنه واقف؟
+ الواقف شخص أصبح بمقتضى ظرف مّا مجال اهتمام الآخرين. وهذا ليس إشكالا في حدّ ذاته. ولكن الإشكال يبدأ عندما يتصوّر الواقف أنّه فعلا شخص متميّز مهما يكن مجاله وعندما يتصوّر أنّه من العاديّ أن يصفّق الناس له ويُعجبوا به. ويتعمّق الإشكال أكثر عندما ينسى الواقف أنّ رأي الآخرين فيه أو في أيّ شيء أو شخص آخر لا يعبّر عن حقيقة الشّخص أو الشّيء وإنّما يعبّر فحسب عن استيهامات المتقبّل وتصوّراته ورؤاه تصنعها حكايته الفرديّة. ويبلغ الإشكال حدّ نقطة اللارجعة عندما يتصوّر الواقف أنّه سيظلّ كل حياته "متمتّعا" بكلّ هذا القدر من الحبّ والإعجاب والعرفان.
+ أمّا من يصفّق للواقف لأنّه واقف فيتصوّر أنّه بذلك يضمن إمكانية أن يقضي له الواقف حاجة من حاجاته ما دام واقفا. ويبدأ الإشكال عندما ينسى من يصفّق للواقف لأنّه واقف أنّ كثيرين في مثل موقعه يصفّقون أيضا، فكيف سيتصرّف الواقف المسكين وبمن سيبدأ؟ ويزيد الإشكال عندما ينسى من يصفّق للواقف أنّه لن يظل واقفا أبدا.
نعم قالت لي جدتي قديما: الدنيا مع الواقف...والحق أن لا إشكال إذا ما فهم الواقف ومن يصفّق للواقف لأنه واقف أمرين بسيطين.
فأمّا الواقف فعليه أن يفهم أن مرآة عمله وجهده ليست ولن تكون أبدا نظرة الآخرين له وإنما رضا ضميره وسكينة نفسه. عليه أن يفهم أنّه سواء أطرى الناس عليه أو لم يطروا فهذه مسألة عرضيّة أكثر من ثانويّة أمّا الجوهر فالصدق مع الذّات وعدم إلحاق الأذى بالآخر.
وأمّا الّذي يصفّق للواقف فعليه أن يتعلّم أن يصفّق لشخص مّا لا لطمع أو لخوف وإنّما لاقتناعه بما يقدّمه الشّخص أو يقوله بما يضمن أنّ ذلك التصفيق سيبقى حتى عندما لن يعود الواقف واقفا.
فهل يمكن أن تتحقق علاقات أكثر بين البشر لا تكون سمتها المنفعية الصّرف ولا السياقات الظرفية المتحوّلة؟ لا أحد يمنعنا من أن نتصوّر ونحاول...

15/07/10

أعرف أنّي لا أعرف

انتهت كأس العالم لكرة القدم وبقيت منها نتائج مباريات وذكريات لقطات وأساليب تنظيم وفنّيات لاعبين. المهمّ أنّها مثل كل شيء في هذه الدّنيا دخلت طيّ التّاريخ، على أنّ ما ميّز هذه الكأس العالميّة حكاية الأخطبوط بول الّذي يبدو أنّه قد "تنبّأ" بالفريق الفائز ضمن جميع مباريات الفريق الألماني، كما تنبّأ بالفريق الفائز في المباراة النهائية.

والحقّ أنّي لا أنوي في هذا المقال أن أحدّثكم عن كرة القدم ولا عن أنواع الأخطبوط. وإنّما أردت أن أتّخذ حكاية بول منطلقا للإشارة إلى ما قد يوجد في هذا الكون من ظواهر تتجاوز أفهامنا وعقولنا.

يريد هذا العصر أن يوهمنا بأنّنا نسيطر على كل شيء، قادرون بضغطة زرّ من الفأرة على أن نفتح آلاف المواقع تعرّفنا إلى ما نشاء من معلومات وأخبار، قادرون على أن نخاطب شخصا يبعد عنّا آلاف الكيلومترات بالصوت وبالصورة، قادرون على أن نرسل معلومة في أقلّ من الثّانية، قادرون على أن نتقاسم مع من نريد في لحظات صورا ولقطات فيديو وأنواع موسيقى.

يوهمنا هذا العصر بأننا قادرون على تحقيق شباب دائم، قادرون بعمليات تجميل متنوّعة ومتعدّدة أن نغيّر أشكالنا كما نريد. يوهمنا هذا العصر بأنّنا نخطّط كل شيء، نعرف ما سيحصل في مجتمعاتنا بعد سنوات: عدد السكان وأنواعهم وأنماط الاقتصاد والإيديولوجيات السّائدة وسواها.

ولأنّ هذا العصر يوهمنا بالقدرة على السيطرة على كل شيء فإنّه يقدّس العقلانية ويعتبر أنّ المرء عقل قبل كل شيء ويحاول أن ينسى أو يتناسى كل الدوافع اللاواعية التي تحرّك البشر ويحاول أن يخفي كل ما له صلة بالضعف والألم والهشاشة البشريّة.

ولأنّ هذا العصر يوهمنا بالقدرة على السيطرة على كل شيء تجد الكثيرين ممّن آمنوا بوهم المقدرة والسيطرة هذين يفقدون كلّ الضّوابط ما أن يحلّ بهم حدث غير مبرمج أو غير مسيطر عليه. ويكفي أن أذكر في هذا المجال مثالي الموت والمرض. فمن منّا لا يعرف أشخاصا آمنوا بقدرتهم على السيطرة على كل شيء فإذا بوفاة عزيز عليهم أو بإصابتهم بمرض خطير تُدخل على نفوسهم الاضطراب والتساؤل وقد ينتهي الأمر في كثير من الأحيان بالاكتئاب.

ولعلّي لا أبالغ إذا ذهبت إلى أنّ كثيرا من أنواع الاكتئاب في هذا العصر مردّها ما يصيب بعض النّاس من صدمات ما أن يفقد عالمهم المنظّم توازنه الوهميّ الهشّ وما أن يتذكّروا أنّ هناك أشياء تتجاوز أذهاننا وأفهامنا، وأشياء لا يمكن أن نسيطر عليها.

منذ سنوات طويلة كانت الجدّات يقصصن علينا خرافات يمتزج فيها الواقعيّ بالخيالي بالعجيب، وكانت أذهاننا الطفولية الصغيرة تحلم وتتخيّل وتنشد شوقا إلى غائب غير موجود. أمّا اليوم فإنّ هذا العالم يحاول أن يقدّم لنا أجوبة عن كلّ شيء. يقتل في نفوسنا حبّ الاستطلاع، يدفن السؤال والحيرة والانتظار إزاء مظاهر يقين عقلاني وتكنولوجي زائف مهما يتطوّر لا يمكن أن يجيب المرء ولو عن شبه سؤال من تساؤلاته الوجوديّة الجوهريّة.

قديما كان النّاس يؤمنون بالقدر خيره وشرّه، بالبركة، بتأثير عين الحاسد. واليوم إذا تحدّثت عن القدر فأنت خانع تشجع على التواكل والكسل، وإذا تكلّمت عن البركة أو عين الحاسد مثلا فأنت في أحسن الأحوال بسيط ساذج.

اليوم أصبح كل شيء محدّدا مقنّنا نهائيا. حتى لحظات مناجاة الإنسان لله خالقه أصبحت تخضع لوصفات مخصوصة دقيقة. ففي حال المرض تقول كذا وعند الدخول إلى السوق تقول كذا، وقبل أن تدعو على شخص برحمة الله تستشير وسيطا يعطيك الجواب الصّحيح. يوم الجمعة الأفضل أن تقرأ سورة كذا، ويوم الأربعاء الأفضل أن تقول الدعاء كذا، وقبل النوم الأحسن أن تقرأ سورة كذا إلخ...حتى لحظات المناجاة الصّادقة مع الله تعالى، تلك اللحظات التي يتوه فيها الإنسان ويناجي كلّ عابد معبوده كما يشاء، باللغة التي يحسّ بالكلمات التي ترتسم على شفتيه بلا اتّساق سوى اتّساق الصّدق وبلا منطق سوى منطق المحبّة وبلا هدف سوى هدف مخاطبة العاشق المعشوق، تلك اللحظات يريد هذا العصر العقلاني الذي يعرف كل شيء أن يقنّنها ويضبطها ويحرمها أجمل ما فيها: تلقائيتها وصدقها.

شكرا للأخطبوط بول...ذكّرنا بأنّ هذا العالم طريق نسير في شعابه قد نحاول أن نسيطر على بعض تفرّعاته وأن ننظّم بعض خطواتنا فيه. أمّا أن ندّعي أنّنا نعرف كلّ شيء ونفهم كلّ شيء ونخطّط لكلّ شيء فليس هذا إلا وهما تبيعنا إيّاه ثقافة الهمبورغر، ثقافة الجواب الجاهز والسّريع تنشد تحويلنا إلى مجرّد حواسيب عاقلة مستهلكة وتنسى أنّ جوهر حياتنا البشريّة هو أن نضرب على غير هدى شوقا إلى معنى لا يمكن أن يُقنّن أو يُنظّم وإنّما يكتفي بأن يُقبل ويُحسّ في رضا وراحة وطمأنينة...

09/07/10

من أخطر القواعد الفقهية التي يمكن أن تستغل سياسيا

من أخطر القواعد الفقهية التي يمكن أن تستغل سياسيا قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات...

فباسم ضرورة إقامة "الدولة الإسلامية" يصبح تزوير الانتخابات مباحا وتعذيب الأبرياء أو قتلهم مباحا وتفقير البعض الآخر وتجهيله مباحا وتدمير مكاسب الدّولة مباحا إلخ...
لذلك لن تجد "متأسلما" واحدا يعترف بخطإ أو يتراجع...فكيف يتراجع وهو في هذيان المثاليّ الخالص الّذي من أجله يمكن دفع كل التضحيات ثمنا...

ألم يحن الوقت ليفهم البعض أنه باسم القاعدة الفقهية ذاتها فإن ضرورة الديمقراطية تبيح المحظور من إقصاء من لا يؤمن بالديمقراطية؟

08/07/10

إن بعض الظّن إثم

مرّت الأسابيع تلو الأسابيع، وكنت كل أسبوع أؤجّل الحديث عن التعليم في تونس. ولكن ما أن ظهرت نتائج البكالوريا وقرأت بعض ما صُرّح به حولها هنا وهناك حتى قرّرت أن أكتب رأيي وأترك للمشرفين على الصفحة حرّية نشره من عدمه.
كثُر الحديث منذ أعوام عن الجودة في العالم كلّه وفي مجالات مختلفة حتى إنّ كثيرا من المؤسسات في بلادنا وخارجها أصبحت تخضع إلى عناصر تقييم داخلي وخارجي وفق معايير مخصوصة وبهدف تحقيق غايات مدروسة. وهذا في حدّ ذاته أمر إيجابي جدّا.
على أنّ ما يلفت الانتباه هو أنّ هذا التقييم لم يشمل على حدّ علمي الأشخاص المشاركين في العملية التربوية وأساسا المدرّسين والتلاميذ أو الطلبة. ولم أسمع أثناء الحديث الرسمي عن باكالوريا 2010 مثلا إلاّ أرقاما وأرقاما وإشارات سريعة إلى أن تعليمنا بألف خير وأنه يرفع رهان الجودة.
والحقّ أني منذ قرأت هذا كلّه حتى شعرت بالخجل من سوء ظني بالتعليم في بلادي. تعلّمت أنه يمكن الحصول على معدل 21 من 20، وفهمت أنه يكفي أن يوجد هذا في فرنسا ليصبح معمولا به في تونس. ولولا عجز بيت أحمد شوقي الذي حفظته صغيرة (كاد المعلّم أن يكون رسولا) لانتقدت أساتذتي ومعلّميّ الّذين قالوا لنا إنّ العشرين هي أقصى عدد يمكن الحصول عليه وعلّمونا أنّ المنطق يقتضي أنّ العدد الأقصى من موضوع مّا لا يمكن أن يتجاوزه ذلك الموضوع. فلا يمكن مثلا أن ينجح 10 تلاميذ من قسم به سبعة...ولكن يبدو أن "علم" معلّميّ وأساتذتي قاصر عن إدراك منطق أن يكون التلميذ حاصلا على 21 من 20 أو حتى على 25 من عشرين...فقط لم يُفهمني أساتذتي ما قيمة العشرين إذا لم تعد حدّا أقصى؟ ولم يفهموني كيف يبلغ التلميذ الكمال؟ إنّهم قاصرون لا شك وأنا أكثر منهم قصورا عن فهم هذا المنطق الحديث الذي لا يستقيم إزاء منطق أرسطو...أو كان أرسطو يعرف الجودة؟ فليسكت منطقه إذن...
لعنتُ الشيطان وطلبتُ الغفران على سوء ظني بمستوى جلّ تلاميذ بلادي الحاصلين على شهادة البكالوريا. فما ضرّ لو رأيت أوراق توجيه ليس للتلميذ فيها عدد فوق المعدّل؟ ما ضرّ لو كان بعض تلامذة الآداب الناجحين(وألف مبروك لهم) حاصلين على 5 و8 و7 و9 تباعا في العربية والفرنسية والأنقليزية والفلسفة؟ ألا يجوز أن تكون الخمسة من أربعة؟ والثمانية من سبعة إلخ؟
وإذا جاءني أبنائي بدروس فيها أخطاء وأي أخطاء، ولم أجرؤ ككلّ وليّ جبان من أن أخاطب المعلم خشية على أبنائي، قلت في نفسي لا شك أن أبنائي نقلوا الدروس خطأ ولا شك أنهم غير منتبهين. ولا لوم عليهم فقد ورثوا عن أمّهم عدم الانتباه، ألستُ ممن لم ينتبهوا إلى مفهوم الجودة؟
وإذا قرأت مقالات الطلبة فوجدت جلّهم لا يتقن العربية والفرنسية والأنقليزية، فأنا أعترف بقصوري إذ لا شك أن مفهوم الجودة الحديث له معايير مختلفة. ووقفت أمام المرآة أتأمل تجاعيد وجهي وفهمت. إن معاييري ومعايير سواي ممن درّسوني من قواعد رسم ونحو وصرف وتركيب وتعبير كانت صالحة قبل أن يزورنا مفهوم الجودة، وقبل أن يحلّ بديارنا أهلا وينزل سهلا فترتفع نسبة الناجحين الجيدين وترتفع نسبة المزغردين ويزداد الإقبال على محلاّت المرطبات...كم أنا غبية، ها أنا أكتشف معكم أنّ جودة التعليم في بلادي تسمح بفتح مواطن شغل جديدة لبائعي الزهور والهدايا والمشروبات الغازية وسواها...
كم كنت مذنبة وسيئة الظن عندما قرأت مطالب الشغل لخرّيجي الجامعات فوجدتها تخلو من أبسط عناصر التعبير القويم حتى إن بعضهم يخطئ في اسم المعهد العالي الذي منه تخرّج. وفهمت أن ذلك من مظاهر الإبداع الذي تشجع عليه الجودة، فلماذا لا يتلوّن اسم المعهد في كل مطلب تشغيل تدليلا على الحركية والتجديد والمبادرة؟
وعندما أسرّت إليّ إحدى صاحبات الأعمال بأنها كلّما انتدبت خرّيجين للتشغيل، اضطرّت إلى شبه "إعادة تكوين" لهم، صدّقتها-غفر الله لي ولها- وأسأت الظن بجودة التعليم. ونسيت أن أصحاب الأعمال لا يفكّرون إلا بمنطق الربح والخسارة وأنه لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب كما يقال، وأنهم لم يتشبعوا بروح الجودة وأبعادها الدلالية.
إن بعض الظن إثم وقد أثمت إذ أسأت النية بمستوى التعليم في بلادي. أخطأت والبشر خطّاؤون. ودواء الخطإ التوبة. فهذا المقال إعلان لتوبتي فبعد أن استمعت إلى نسب النجاح الرائعة وبعد أن تعلمت أن معدل التلميذ قد يكون 21 من 20 وبعد أن علمت أننا سائرون في طريق الجودة في تعليمنا الذي نعرفه جميعا، أقسمت أن أصفق مع المصفقين وأهلل مع المهللين وأقول: مبروك...وإن شاء الله العام الجاي صابة أكثر وأكثر...