rss
twitter
    Find out what I'm doing, Tabbe3ni :p :)

22/10/2010

الغرب لم يفصل الدين عن السياسة إلا داخليا

د. ألفة يوسف

الغرب لم يفصل الدين عن السياسة إلا داخليا

الفوبيا التي انتابت الغرب لم تعد تخوفا من المسلمين الناشطين في العمليات الانتحارية أو الفدائية أو الإرهابية فحسب، بل أصبحت رعبا، حقيقيا أو مفتعلا من المسلمين عموما، بل ومن الإسلام كدين. هل في الدين الإسلامي وفي سلوك المسلمين عموما ما يثير ويبرر هذا الرعب؟

الدكتورة ألفة يوسف الباحثة القديرة والضالعة في الشؤون الإسلامية وصاحبة العديد من الدراسات المرجعية في هذا المجال تلقي لنا الضوء على هذا الجانب من الموضوع .

عن مبررات الإسلاموفوبيا تقول:

فرق بين أن نتحدّث عن مبرّر وأن نتحدّث عن تفسير. فإذا كنّا نعني بالمبرّر تشريع رعب بعض الغربيين مما يصدر عن بعض المسلمين من مواقف فأعتقد أن لا مبرّر في أيّ حال من الأحوال لتعميم الحكم على مجموعة بشريّة مهما تكن ومن منظور أيّ مقياس لمجرّد أنّ بعض أفراد المجموعة أو بعض من يُتصوّر أنّهم أفرادها يتّصفون بصفات ما أو يسلكون سلوكا ما. أمّا عن التفسير فهو بحث عن الأسباب فحسب. ومعلوم أنّ من أسباب الإسلاموفوبيا سلوك بعض من يدّعون أنّهم يمثلون الإسلام وكلامهم ولكنّ من أسبابها أيضا تعامل وسائل الإعلام العربيّة والغربيّة مع هؤلاء بين ممجّد من جهة وناقم من جهة أخرى. ولا نجد إلا محاولات نادرة للجدّية الإعلاميّة التي تحاول وضع المسائل في إطارها السياسي والاقتصادي.

وعن علاقة العمليات الانحارية بالجهـــاد تفسر د. ألفة يوسف:

البحث في مفهوم الجهاد مفتقر إلى أكثر من مجال صحفيّ سمته السّرعة. المهمّ أنّ الجهاد لا يعني قتل النفس التي حرّم الله ولا الاعتداء على الأبرياء. إنّ «الجهاد» هو الصبر على الشّدّة، ويكون ذلك في الحرب، وقد يكون على مخالفة النفس. ويفيد الجهاد معنى بذل الجهد في مثل قوله تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(العنكبوت/8) وللجهاد مفاهيم عديدة أهمّها مجاهدة النفس عن المعاصي. بل إنّ طاعة الله والالتزام بأوامره والابتعاد عن نواهيه من وجوه الجهاد. ويبيّن أحد أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم أنّ الجهاد يكون بالاعتناء بالوالدين العاجزين. فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد الجهاد فقال: «ألك والدان؟ قال: نعم. قال : ففيهما فجاهد».

وإذا نظرنا في الجهاد في بعده الحربيّ وجدنا أن للحروب وحتى الفتوحات الإسلاميّة منطقا مختلفا لا يقوم على قتل الناس كما اتّفق. وإنّما كانت الفتوحات في جوهرها في إطار نشر الدّين الجديد والدعوة إليه في مجتمعات لم تكن فيها طرق تواصل وإعلام كما هو موجود الآن. أمّا الحرّيات الدّينيّة فمكفولة للجميع من قبل الله تعالى فمن ذا الذي يجرؤ أن يخالف هذا المعطى الجوهريّ الأساسيّ ليعتدي على النّاس؟ وإنّي الآن بصدد اشتغال على بحث يهتمّ بالقتال في الإسلام من أبرز نتائجه بصريح القرآن أنّ القتال لا يكون إلا في إطار دفاعيّ وأنّ الجنوح للسّلم أفضل في كلّ الأحوال. إذا كانت للإسلاموفوبيا مبررات سياسية أو سيكولوجية بسبب «العنف» الذي سلطه بعض المسلمين على مدنيين غربيين فإن المسلمين يرون بأن الغرب، هو الآخر، يسلط عليهم «عنفا» معنويا مثل نشر الرسوم الكاريكاتورية للرسول أو إصدار قانون لمنع لباس النقاب.

وعن مواقف الغرب من بعض رموز الاسلام تضيف:

الفصل بين المسألة الدّينيّة والمسألة السياسية لم يتمّ عبر تاريخ المسلمين. فابدأ بمراجعة الفتنة الكبرى ثمّ سائر الحروب التي دارت بين مختلف مذاهب المسلمين أنفسهم. إنّ كلّ فريق يريد أن يتكلّم باسم الله تعالى ويكتسب نتيجة لذلك المشروعيّة السّياسيّة والسّلطة. ومن اللطيف أن نلاحظ أنّ هذا الفصل بين المسألة الدينية والمسألة السياسية لم يحصل في المجتمعات الغربيّة إلاّ من حيث سياستها الدّاخليّة. أمّا في سياستها الخارجيّة فإنّ الغرب أيضا له منطلقات دينيّة وإن تلوّن الدّينيّ بالثقافي وما مساندة أبرز قوّات الغرب لإسرائيل وهي «دولة» تقوم على أساس دينيّ إلا دليل على ذلك.

إنّ الصّراع اليوم أقرب إلى صراع سياسيّ ألبس ثوب الهويّة وألبست الهويّة ثوب الدّينيّ. والمشكل أنّ الطرفين يريد كل واحد منهما إلقاء اللوم على الآخر لأنّ آخر مسألة يلتزم بها الجميع هي القوانين. البلدان الغربيّة من حقها أن تسنّ قوانين منع النقاب. وإذا لامها البعض يمكن أن نقول لهم : لماذا تجبر بعض الدّول «الإسلاميّة» النساء على ارتداء الخمار في بلادها ولو كنّ غير مسلمات أو غير مقتنعات به؟

ومن جهة أخرى هل تتصوّر أنّ ما كان يُقال للرسول صلى الله عليه وسلّم في حياته من قبل المشركين أخطر من الرسوم الكاريكاتورية ؟ ومع ذلك خاطبه الله تعالى وقتها بـ»ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النحل/125).


لو أصبح القانون هو الفيصل بين الناس فستُحلّ كثير من المشاكل. ولكن ماذا تنتظر من قوانين تقوم على حقّ الفيتو المقابل أصلا لفلسفة القانون؟ وماذا تنتظر من قوانين تعترف بإرهاب الدّول وتتصدّى لإرهاب الأفراد؟



21/10/2010

أجيال

ليس من المستحدث أن نجد خلافا في الرّؤى والتصوّرات بين الأجيال. فهذا أمر عاديّ لأنّ تصوّر الإنسان للكون ليس جامدا متكلّسا وإنّما يتطوّر ويتبدّل بتقدّمه في السنّ وبتحوّل السّياق حوله سواء اتّصل الأمر بالسياق الداخلي الذّاتي أو بالسّياق الخارجي التاريخيّ. على أنّ ما نلحظه اليوم في مجتمعنا التونسي من اختلاف بين جيل الشباب وجيل الكهول أو المسنّين يكاد يبلغ في بعض الأحيان حدود القطيعة وتبادل التّهم.

اسمحوا لي أوّلا أن أعتذر عن استعمال مفاهيم جاهزة شأن الشباب أو الكهول إلخ، فلا يمكن رغم وعينا بنسبيّة هذه المقولات وتحوّلها في كلّ لحظة وآن إلاّ أن نخضع إلى سلطان المقولات اللغويّة تسيطر على فكرنا وتوجّهه غصبا عنّا أحيانا.

ولأنّنا واعون بنسبيّة هذه المقولات فسنحاول أن نتناول المسألة من منظور جيلين يفصل بينهما ربع قرن وهي الوحدة الزّمنيّة التي تعتمد عادة مقياسا لتحديد الأجيال.

من نافل القول اليوم الإقرار بأنّ مستوى الشّباب في اللغات اليوم هو مستوى متدنّ عموما. وكان الأمر مختلفا منذ ربع قرن إذ كان الشباب آنذاك يتقنون على الأقلّ لغة من اللغتين السّائدتين زمنها أي اللغة العربية الرّسميّة واللغة الفرنسيّة لغة المستعمرات الفرنسيّة سابقا. ومن اليسير الانخراط في مونولوج طويل يبكي فيه المرء على أطلال الزمن الماضي الجميل. وأعترف أنّ هذه السّهولة أغوتني أحيانا ولكنّ رغبتي في مساءلة كلّ شيء حملتني على أن أحاول تعميق النّظر في المسألة فوجدت أنّ جلّ شباب اليوم قد لا يتقنون اللغة العربية والفرنسية ولكنّ كثيرا منهم يتقنون اللغة الأنقليزيّة. وجلّهم أنشؤوا لغة جديدة، وإذا كانت كلمة لغة تحرج بعضكم فلنقل إنّهم قد أنشؤوا قواعد جديدة يستعملون بها اللغات السائدة ويوظّفونها توظيفا خاصّا. ولا أنكر أنّي أوّل الأمر لم أكن أفهم كثيرا مما كان يرسله لي بعض الشباب من رسائل قصيرة عبر الهاتف الجوّال أو عبر النّات وكدت أيأس من محاولة الفهم وأكتفي بأن أتّهمهم بالجهل بقواعد اللغة. ولكنّ بقايا درس سوسيري قديم ذكّرتني بأنّ وجهة النّظر اللسانيّة لا يمكن أن تكون معياريّة بل وصفيّة. وحاولتُ أن أقترب من استعمالاتهم هذه فوجدت نفسي أفهمها بعد بذل بعض الجهد في البداية.

إنّ كلامي هذا لايعني البتّة أنّ قواعد هذه اللغة الجديدة أفضل أو أردأ، فقد اتفقنا على أنّ التعامل المعياريّ لا يجدي نفعا. فقط أتساءل ألم أخطئ منذ البدء التعامل مع هذه الظاهرة الوليدة بمحاولة إخضاعها بالضّرورة إلى مقاييس جيلي فإن وافقَتْها قبلتُها وإن لم توافقها تهجّمتُ عليها نقدا وتجريحا.

وهاكم مثالا آخر. أنا لا أفهم البتّة في إحدى أنواع الموسيقى والغناء يُقال إنّ اسمها الرّاب. وقد ولجت يوما صفحة على الفايسبوك لمغنّ تونسي في هذا الضرب من الغناء فوجدتُ أنّ له أكثر من 30 ألف معجبا. واستمعتُ مرة صدفة إلى أحد أغاني هذا المغنّي، وأنتم تعرفون أن شوارعنا وأسواقنا تفرض عليك أحيانا أنماطا من الموسيقى لا تملك إزاءها إلا التسلّح بالصّبر والجلد. ولا أنكر أنّ كلمات هذه الأغاني استفزّتني بادئ الأمر وقد أعود إليها بإذن الله بالتّحليل في مقال قادم. ولكنّي وجدتُ نفسي بعد أيّام أخاطب نفسي: أيّهما أكثر عمقا؟ أن أحكم على هذا الضّرب من الغناء بأنه رديء وتافه وأنصرف إلى شؤوني انصراف المطمئنّ الواثق من صواب رؤاه واختياراته ومن أنّ ذوقه لم يجُد الزّمان بمثله قطّ أو أن أتساءل كيف يمكن أن نفسّر ميل كثير من الشّباب إلى هذا الضّرب من الموسيقى والغناء؟ ألا يمكن أن تكون الموسيقى والغناء اللذان أعدّهما راقيين ممّا لا يجيبهم عن عمق مشاغلهم وتطلّعاتهم. بل لعلّ تكويننا إيّاهم هو الّذي جعلهم لا يجدون ملجأ فنّيّا إلا في هذه الموسيقى. بل لعلّ الأمر أبسط من ذلك وأعمق في الآن نفسه. ألا يكون هؤلاء الشباب يجدون في الغرام بهذه الموسيقى وجها من وجوه الثّورة على الجيل السّابق الّذي يعدّونه واعين أو غير واعين مسؤولا عن أوضاعهم الحاضرة؟ ولعلّهم يجدون في الولع بهذه الموسيقى وجها من وجوه الاطمئنان بالانتماء إلى مجموعة يتفق أعضاؤها من أصدقائهم وأقرانهم في الميولات والخيارات.

إنّي من خلال ما سبق أطرح سؤالا بسيطا منطلقه مثال. فأمّا المثال المنطلق فهو أنّنا لا نكفّ عن اتّهام هذا الجيل بشتّى النعوت السلبيّة ولكنّ كثيرا منّا ما أن يجدوا عطبا أو خللا في حاسوبهم أو في هاتفهم الجوّال حتّى يهرعوا مذعورين إلى الأبناء يطلبون منهم العون والمساعدة. وأمّا السّؤال فهو: هل المشكل فينا أم في أبنائنا؟ وهل هناك مشكل أصلا؟ وبعبارة أخرى أليس منطلق ما نتوهّمه مشكلا هو أنّنا نريد أن نتعامل مع واقع متحوّل متحرّك -ككلّ شيء في الكون- بمقاييس جامدة ثابتة نتصوّر أنّها مقاييس مطلقة صالحة لكل الأزمان والأمكنة. وأليس منطلق ما نتوهّمه مشكلا أنّنا نرفض التحوّل باعتباره السّمة الأساسيّة على عدم قدرتنا على السّيطرة على الأمور وهو ما يرفضه عُصابنا الذي يتوهّم أننا مصدر كلّ شيء؟ وأليس منطلق المشكل المتوهَّم أنّنا نسينا أنّ اللغات تبدّلت وأنّ الأذواق تغيّرت عبر الأزمان وأنّ المجال الوحيد الذي يجب أن يُحافَظ عليه هو الأخلاق أو الإطيقا باعتبارها جوهر الاجتماع البشريّ وأساسه.

14/10/2010

عزوف عن الكتابة

أكبر مشكلة تعترضني كلّما واجهت بياض الورق هو: ماذا أكتب؟ ولم أستطع وأنا في هذه السّنّ أن أكتب يوما شيئا وفق أيّ إملاء وإن يكن إملاء عقلي. كثيرة هي المواضيع التي أودّ أن أشرككم فيها في هذا المنتدى لا سيّما أنّي أجد من كثير منكم ردود أفعال متنوّعة. والمشكل أني أحيانا لا أجد في نفسي اليوم رغبة في الكتابة. وفكّرت في أن أسائل غياب الرغبة هذا. فوجدتُ أنه قد يكون له أسباب متنوّعة.

أوّلها أنّ النّاس الّذين يقرؤون في بلادي عددهم ما انفكّ يقلّ ويقلّ. ويبدو من خلال الرّسائل التي تصلني أنّ جلّهم ممن تجاوزوا مثلي سنّ الشّباب (البيولوجي على الأقل). وليس هذا مشكلا في ذاته لكنّي في بعض كتاباتي أطرح مسائل تهمّ الشباب بصفة مباشرة. فلا يقرؤها هؤلاء. والطريف أنّ ردود الأفعال تجاه الأفكار تختلف باختلاف السنّ عموما. تتساءلون: كيف لي أن أعرف ذلك وجلّ الشباب لا يقرؤون هذه المقالات؟ بكلّ بساطة لأني أحوّلها إلى مقالات إلكترونية عبر الأنترنت فيقرؤها الشباب. وهذا يبيّن لنا أنّ تغيير محامل المكتوب قد يكون من شأنه إرجاع الرّغبة في المطالعة لدى الشباب.

السّبب الثاني الذي قد يفسّر عزوفي أحيانا عن الكتابة أنّي أجد نفسي أحيانا راغبة في الحديث في مواضيع لا تجد صدى لدى أغلب القرّاء. ولا أعرف إذا كان منطلق سعيي إلى هذا الصّدى بقايا مرض الذّات تبحث عن اعتراف الآخر أم خشيتي من أن يكون كلام المرء بلا تفاعل من الآخر كرجع الصّدى. المهمّ ما لاحظته من خلال تجربة هذه الشهور من الكتابة في المنتدى من أنّ أغلب المواضيع التي تستفزّ القرّاء هي تلك التي تتّصل بمجال التعليم والعلاقات بين الجنسين والدّين والسّياسة. وقد يُفسّر الاهتمام بالأخيريْن بأنّهما ثنائي محرّم من المحرّمات الثلاثة في المخيال العربي الإسلامي الحديث(الدين-السياسة-الجنس). وقد يُفسّر الاهتمام بالعلاقة بين الجنسين بإحالته ولو بصفة غير مباشرة على المحرّم الثالث في مجتمع يجعل من الأشياء البسيطة بسكوته عنها أغوالا. وقد يُفسّر الاهتمام بالتّعليم بأمرين أحدهما أنّه يمسّ جل الأسر التونسية إن لم نقل جميعها لوجود شخص من العائلة متعلّم أو معلّم، وثانيهما أنّ كلّ النّاس تستسهل الحديث في قضايا التعليم. وعندما تتحدّث مع النّاس تتوهّم أن كل واحد منهم له عصا سحريّة من شأنها أن تنهض بالتعليم في تونس. ولكن حذار، إنهم لا يسمحون باستخدام هذه العصا السحرية وإنّما يبدو أنها لا تعمل إلا بأيديهم. أفلا يكون الأمر في بعض الأحيان صراعا على وهم السلطة وامتلاك القرار، عفوا، على استخدام العصا السّحريّة أكثر من كونه حوارا فكريا عميقا حول مسائل التّعليم؟

ما لم أجد له تفسيرا في مقابل ما سبق، هو عزوف القرّاء في جلّهم عن القضايا الفلسفية عموما والرّوحانيّة خصوصا. فما أن أكتب مقالا له بالفلسفة والتفكير والروحانيات علاقة حتى يشحّ عدد الرّسائل الّتي تصلني. فهل مردّ هذا أنّ المسائل المذكورة كانت في أغلب فترات التاريخ من اهتمام الخاصّة وهم قلّة؟ أم هل مردّ ذلك ما طغى على هذا العصر من تركيز على المادّي والمحسوس في مقابل العميق والرّوحيّ؟ أم هل مردّ ذلك تهجين الفلسفة مادّة وإعمال الفكر منهجا في أساليب التعليم في بلادي؟ الله أعلم...

السبب الثالث الذي قد يفسّر عزوفي عن الكتابة هو ما أعانيه من رقابة ذاتيّة فأنا أجد نفسي أحيانا مليئة بأفكار تبدو لي جديرة بالطرح والبحث ولكنّي أخشى مقصّ الرّقابة. قد يكون لخشيتي هذا بعض رواسب "بارانويا" لم تفلح السنون في معالجتها. ولكن لا شكّ أنّ لها أيضا بعض أسباب موضوعيّة تتجاوز أمراضي النّفسيّة العميقة. ولنتساءل بصراحة: ما سبب وجود الرّقابة الذّاتيّة إن لم يكن المرء قد اصطدم في يوم مّا وبشكل من الأشكال برقابة خارجيّة فعليّة ؟ وإنّي أعدكم لو سمح لي المشرفون على هذه الصفحة بأن أعبّر كما أشاء-في إطار القانون طبعا- أن أحاول وضع ما بقي من رقابتي الذاتية على الرّفوف لأرتاح وأريح...

عزيزي القارئ، اعذرني على هذا المقال فأنا قد أتحكّم في كلّ شيء ولكنّي لا أستطيع التحكّم في هذا القلم المجنون، ولو كنت قادرة على التحكّم فيه وتوظيفه كما يفعل البعض، لكان حالي ربّما أفضل من هذا الحال...أقول ربّما...

07/10/2010

ثقافة الجهات

يُعدّ الاهتمام بالجهات من أبرز مؤشرات النّماء والتقدم في المجالات الاقتصادية والثقافية. ولذلك تجد الكثير من الدّول تشجّع على إيلاء الجهات العناية التي تستأهلها بالسعي إلى إسداء خدمات تتقارب في القيمة بين المركز-وهو عادة العواصم- وسائر المناطق الأخرى. وعندما نعتمد مصطلح "خدمات" فإنّنا نعني فرص التشغيل ومجالات التثقيف والترفيه وسواها.

وكثيرا ما سمعنا سلط الإشراف الرّسميّة تحثّ على مزيد الاهتمام بالجهات وتفعيل دورها في مسار التنمية. على أننا نلاحظ تعثّرا لهذه التنمية في المجالات الثقافية خصوصا. فلا نجد في كثير من الجهات إلا بعض مراكز ثقافيّة فارغة إلا من مسؤوليها وعملتها. ولا نكاد نسمع إلا بأنشطة ثقافية موسمية نتساءل عن قلّة عدد المهتمّين بها فضلا عن زوّارها وروّادها.

ولا تظنّن أن ذلك خاص بالقرى والمدن الصغرى بل نجد في كثير من الأحيان مدنا كبرى خالية أو تكاد من الأنشطة الثقافيّة. ولن أتحدّث عن قاعات السينما التي لا تنشط في العاصمة فما بالك بالمناطق الأخرى. ولكن أتحدّث عن النشاط المسرحي والموسيقي والفكريّ الّذي يكاد يكون منعدما أو باهتا في أغلب المناطق.

إنّ تنمية الجهات في المجال الثقافي مشكل حاصل ومن المنطقي أنّه لا يمكن تجاوز المشكل إلا بطرحه أوّلا وهذا ما يفعله كثير من المسؤولين. لكنّ طرح المشكل لا يعني فحسب الإشارة إلى وجوده وتحميل الآخرين مسؤوليّة إيجاد حلّ له. ولكنّ طرح المشكل يفترض البحث في أسبابه وجذوره الظاهرة والعميقة. فهل نجد دراسات اجتماعية تبحث في أسباب عزوف شباب الجهات خصوصا عن النشاط الثقافي؟ هل نجد عملا ميدانيا يقوم على الاتصال بشباب المعاهد والمعاهد العليا بالجهات (وهم كثير) لسؤالهم عن تطلّعاتهم للعمل الثقافي الذي يمكن أن يثير اهتمامهم؟

ومن ناحية أخرى هل من المنطقي أن يُتصوّر العمل الثقافي اليوم بنفس طريقة العمل الثقافي منذ ثلاثين سنة؟ وأين موضع التكنولوجيات الحديثة من العمل الثقافي؟

لقد آن الأوان لنطرح بجدّ مسائل عزوف المواطنين عموما والشباب خصوصا عن النشاط الثقافي ولا سيّما في الجهات. والحق أننا قد استبشرنا كلّ خير إذ اختار المسؤولون أن يكون الاحتفاء بمائويات رموز البلاد الثقافية في جهاتهم. فهذا الشّابّي احتُفي به في توزر، وهذا مصطفى خريّف يُحتفى به في نفطة، ونحن في انتظار البقيّة. فقط وددنا لو تمّ تشريك الجهات أكثر في هذه المشاهد الاحتفائيّة. فقد اطّلعنا شأن المتابعين للعمل الثقافي على فعاليّات النّدوة الصّحفيّة التي نُظّمت مع لجنة الاحتفاء بمائويّة مصطفى خريّف وإننا إذ نثمّن نشاطهم الدّؤوب وما لاقوه جميعا في سبيل السعي إلى إنجاح مائويّة مصطفى خريّف من تعب ونصب نتساءل عن غياب تمثيليّة الجهات في اللجنة. إنّنا نعرف طبعا أن بعض أعضاء اللجنة ينتمون إلى نفس جهة المرحوم مصطفى خريّف ولكنّ تنمية الجهات لا تكون بتنمية الأشخاص المنتمين إلى الجهة والقاطنين خارجها، وإنّما نتصوّر أنّ تنمية الجهات تكون بتنمية مؤسّسات الجهة والمقيمين فيها. فهل شارك شباب الجهة في تظاهرات الاحتفاء بالشابي وخريّف؟ هل حققت لهم هاتان التظاهرتان فرص عمل ودخل مادّي أو على الأقل فرصا لاكتساب خبرات ومعارف؟

إنّ عقليّة تنظيم المركز للتظاهرة الثقافية ونقلها إلى الجهة تكريما قد يكون لها ما يبرّرها لضعف الإمكانات المادية والبشرية ببعض الجهات، ولكن ألا تكون هذه التظاهرات فرصة لتركيز بذرة لهذه الإمكانات؟ ألا تكون هذه التظاهرات فرصة للجهات لكي نعلّمهم كيف يصطادون عوض إعطائهم سمكة؟

إنّنا بهذا المقال نودّ فحسب أن نساهم من موقعنا كمهتمين بالشأن الثقافي في لفت الانتباه إلى معضلة الثقافة في الجهات ونحن واعون أشدّ الوعي بأنّها من الملفّات المطروحة على المسؤولين وكلّنا ثقة فيهم وفي قدرتهم على مواجهة الصعوبات التي لا يمكن مواجهتها إلا بالاعتراف بوجودها أوّلا.