د. ألفة يوسف
الغرب لم يفصل الدين عن السياسة إلا داخلياالفوبيا التي انتابت الغرب لم تعد تخوفا من المسلمين الناشطين في العمليات الانتحارية أو الفدائية أو الإرهابية فحسب، بل أصبحت رعبا، حقيقيا أو مفتعلا من المسلمين عموما، بل ومن الإسلام كدين. هل في الدين الإسلامي وفي سلوك المسلمين عموما ما يثير ويبرر هذا الرعب؟
الدكتورة ألفة يوسف الباحثة القديرة والضالعة في الشؤون الإسلامية وصاحبة العديد من الدراسات المرجعية في هذا المجال تلقي لنا الضوء على هذا الجانب من الموضوع .
عن مبررات الإسلاموفوبيا تقول:
فرق بين أن نتحدّث عن مبرّر وأن نتحدّث عن تفسير. فإذا كنّا نعني بالمبرّر تشريع رعب بعض الغربيين مما يصدر عن بعض المسلمين من مواقف فأعتقد أن لا مبرّر في أيّ حال من الأحوال لتعميم الحكم على مجموعة بشريّة مهما تكن ومن منظور أيّ مقياس لمجرّد أنّ بعض أفراد المجموعة أو بعض من يُتصوّر أنّهم أفرادها يتّصفون بصفات ما أو يسلكون سلوكا ما. أمّا عن التفسير فهو بحث عن الأسباب فحسب. ومعلوم أنّ من أسباب الإسلاموفوبيا سلوك بعض من يدّعون أنّهم يمثلون الإسلام وكلامهم ولكنّ من أسبابها أيضا تعامل وسائل الإعلام العربيّة والغربيّة مع هؤلاء بين ممجّد من جهة وناقم من جهة أخرى. ولا نجد إلا محاولات نادرة للجدّية الإعلاميّة التي تحاول وضع المسائل في إطارها السياسي والاقتصادي.
وعن علاقة العمليات الانحارية بالجهـــاد تفسر د. ألفة يوسف:
البحث في مفهوم الجهاد مفتقر إلى أكثر من مجال صحفيّ سمته السّرعة. المهمّ أنّ الجهاد لا يعني قتل النفس التي حرّم الله ولا الاعتداء على الأبرياء. إنّ «الجهاد» هو الصبر على الشّدّة، ويكون ذلك في الحرب، وقد يكون على مخالفة النفس. ويفيد الجهاد معنى بذل الجهد في مثل قوله تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(العنكبوت/8) وللجهاد مفاهيم عديدة أهمّها مجاهدة النفس عن المعاصي. بل إنّ طاعة الله والالتزام بأوامره والابتعاد عن نواهيه من وجوه الجهاد. ويبيّن أحد أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم أنّ الجهاد يكون بالاعتناء بالوالدين العاجزين. فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد الجهاد فقال: «ألك والدان؟ قال: نعم. قال : ففيهما فجاهد».
وإذا نظرنا في الجهاد في بعده الحربيّ وجدنا أن للحروب وحتى الفتوحات الإسلاميّة منطقا مختلفا لا يقوم على قتل الناس كما اتّفق. وإنّما كانت الفتوحات في جوهرها في إطار نشر الدّين الجديد والدعوة إليه في مجتمعات لم تكن فيها طرق تواصل وإعلام كما هو موجود الآن. أمّا الحرّيات الدّينيّة فمكفولة للجميع من قبل الله تعالى فمن ذا الذي يجرؤ أن يخالف هذا المعطى الجوهريّ الأساسيّ ليعتدي على النّاس؟ وإنّي الآن بصدد اشتغال على بحث يهتمّ بالقتال في الإسلام من أبرز نتائجه بصريح القرآن أنّ القتال لا يكون إلا في إطار دفاعيّ وأنّ الجنوح للسّلم أفضل في كلّ الأحوال. إذا كانت للإسلاموفوبيا مبررات سياسية أو سيكولوجية بسبب «العنف» الذي سلطه بعض المسلمين على مدنيين غربيين فإن المسلمين يرون بأن الغرب، هو الآخر، يسلط عليهم «عنفا» معنويا مثل نشر الرسوم الكاريكاتورية للرسول أو إصدار قانون لمنع لباس النقاب.
وعن مواقف الغرب من بعض رموز الاسلام تضيف:
الفصل بين المسألة الدّينيّة والمسألة السياسية لم يتمّ عبر تاريخ المسلمين. فابدأ بمراجعة الفتنة الكبرى ثمّ سائر الحروب التي دارت بين مختلف مذاهب المسلمين أنفسهم. إنّ كلّ فريق يريد أن يتكلّم باسم الله تعالى ويكتسب نتيجة لذلك المشروعيّة السّياسيّة والسّلطة. ومن اللطيف أن نلاحظ أنّ هذا الفصل بين المسألة الدينية والمسألة السياسية لم يحصل في المجتمعات الغربيّة إلاّ من حيث سياستها الدّاخليّة. أمّا في سياستها الخارجيّة فإنّ الغرب أيضا له منطلقات دينيّة وإن تلوّن الدّينيّ بالثقافي وما مساندة أبرز قوّات الغرب لإسرائيل وهي «دولة» تقوم على أساس دينيّ إلا دليل على ذلك.
إنّ الصّراع اليوم أقرب إلى صراع سياسيّ ألبس ثوب الهويّة وألبست الهويّة ثوب الدّينيّ. والمشكل أنّ الطرفين يريد كل واحد منهما إلقاء اللوم على الآخر لأنّ آخر مسألة يلتزم بها الجميع هي القوانين. البلدان الغربيّة من حقها أن تسنّ قوانين منع النقاب. وإذا لامها البعض يمكن أن نقول لهم : لماذا تجبر بعض الدّول «الإسلاميّة» النساء على ارتداء الخمار في بلادها ولو كنّ غير مسلمات أو غير مقتنعات به؟
ومن جهة أخرى هل تتصوّر أنّ ما كان يُقال للرسول صلى الله عليه وسلّم في حياته من قبل المشركين أخطر من الرسوم الكاريكاتورية ؟ ومع ذلك خاطبه الله تعالى وقتها بـ»ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النحل/125).
لو أصبح القانون هو الفيصل بين الناس فستُحلّ كثير من المشاكل. ولكن ماذا تنتظر من قوانين تقوم على حقّ الفيتو المقابل أصلا لفلسفة القانون؟ وماذا تنتظر من قوانين تعترف بإرهاب الدّول وتتصدّى لإرهاب الأفراد؟



