ألفة يوسف عندما كتبت مقالا حول الدّروس الخاصّة في التعليم الابتدائيّ والإعداديّ والثّانويّ بلغتني رسائل كثيرة من بعض الأساتذة يبرّرون لهذه الدّروس ويعتبرونها حقّا من حقوق المدرّس لتحسين وضعه الاجتماعيّ بل يتّهمون بأنّ من المسائل ما هو أخطر وأنّ التعرّض لهذه المسألة ترف فكريّ بل تعسّف على «رسل» المعرفة في بلادنا.
وبغضّ الطّرف عن أنّي أرفض مبدئيّا أيّ شخص يملي على الكاتب ما يكتب فإنّ ما ورد عليّ في الآن نفسه من رسائل كتبها مواطنون يعانون ويلات الابتزاز وضرورة الخضوع لأهواء بعض الأساتذة بيّن لي مرّة أخرى أنّ الكاتب لا يكتب لإرضاء النّاس جميعا وإنّما لإرضاء ضميره. ومن باب إرضاء الضّمير أن أكتب اليوم في أشخاص لا يمكن لهم أن يبلّغوا أصواتهم إلى وسائل الإعلام لأنّهم ينتمون إلى منظومة شاع عنها استقلالها ورفضها لتدخّل أيّ رقابة فيها، وهي منظومة التّعليم العالي . منذ عقود كان أساتذة التعليم العالي في بلادنا قلّة في تناسب منطقيّ مع عدد الطّلبة، ومع تكاثر عدد الطّلبة دعت الحاجة إلى أساتذة يدرّسونهم فكثر الالتجاء إلى المدرّسين العرضيّين وإلى العقود الوقتيّة مع بعض المساعدين المتعاقدين. ولا يخفى على شأن المشتغلين في التّعليم العالي أنّ «اختيار» العرضيّين يخضع في أغلب الأحيان للعلاقات الخاصّة وأنّ «اختيار» المتعاقدين متّصل بدوره أشدّ الاتّصال بالعلاقات الخاصّة ممّا يجعل مستوى التّعليم الّذي يقدّم إلى الطّلبة أقلّ من المتوسّط إن لم نقل ضعيفا في أغلب الأحيان، وممّا يجعل التّنظير للأسابيع الأربعة عشر في السّداسيّ وللجودة في التّعليم إمّا شعارا نظريّا أو في أحسن الأحوال منطبقا فحسب على بعض مؤسّسات التعليم العالي هي قلّة قليلة. ونظرا إلى تحوّل مفهوم التّشغيل من تشغيل قائم على استيعاب الدّولة لكلّ الخرّيجين إلى تشغيل قائم على مساهمة المتخرّج في إنشاء المؤسّسة، ونظرا إلى أنّ عددا كبيرا من الخرّيجين لا يرغبون في إنشاء مؤسّسات خاصّة أو لا يجدون في أنفسهم القدرة على ذلك، فإنّ كثيرا من الطّلبة أصبحوا يتابعون دروس المرحلة الثّالثة. ويجد هؤلاء أنفسهم مطالبين بالتّسجيل ضمن مذكّرات الماجستير وأطروحات الدّكتورا تحت إشراف بعض الأساتذة الّذين من المفروض أن يتابعوا أعمالهم حتّى تكون في مستوى المقاييس الأكاديميّة والضّوابط المعرفيّة والمنهجيّة الجامعيّة. على أنّ اللافت للنّظر أنّ عددا من هؤلاء الأساتذة المشرفين لا يطّلعون على أبحاث طلبتهم إلاّ عند إيداعها للنّقاش فلا يؤطّرون الطّالب إلاّ تأطيرا شكليّا يجسّمه الإمضاء على أوراق إداريّة. كما أنّ البعض الآخر منهم لا يحضر لجان الماجستير أو الدّكتورا لكثرة مشاغله غير الأكاديميّة أو للامبالاته بمصير الطّلبة ممّا يجعل كثيرا من هؤلاء ينتظر سنوات قبل أن تتواضع اللجنة الموقّرة وتتكرّم وتعيّن له جلسة لمناقشة بحثه بل في بعض الأحيان تتأخّر اللجنة حتّى في تعيين الأساتذة المقرّرين الّذين سيقيّمون البحث المذكور. ولا تحسبنّ أنّ اللجنة المذكورة تخضع لمن يحاسبها وأنّ الأستاذ «المؤطّر» الغائب تُتّخذ بشأنه إجراءات إداريّة وإنّما أقصى ما في الأمر أن يتعلّل المشرف على اللجان بأنّه حاول الاتّصال بالأستاذ المشرف هاتفيّا أو راسله لحضور أعمال اللجان ولكنّه تغيّب.و...»اشكي للعروي»... ولا يذهبنّ في ظنّكم أنّ تغيير الأستاذ المشرف أمر هيّن أو بسيط. كيف ذلك والأستاذ المؤطّر يتقاضى معلوما ماليّا على تأطيره طالما طالب به الجامعيّون، وكيف ذلك والأستاذ المؤطّر لا ينفكّ يذكّر في سيره الذّاتيّة بأنّه أطّر عددا كبيرا جدّا من الأبحاث؟ وكيف ذلك ومن الأساتذة المؤطّرين من يتغيّب عن دروسه ليشارك في ندوات خارج البلاد فإذا تغيّب عن الدّرس ولم يعوّضه أو إذا اتّفق مع الطّلبة على التغيّب الجماعيّ فهل يمكن أن نحاسبه على عدم أخذه التّأطير مأخذ الجدّ؟ إنّ تغيير الأستاذ المشرف أمر أعسر من نظيره إيجاد الأستاذ المشرف. والخبيرون بالشّأن الجامعيّ يعلمون أنّ الطّالب لا يمكن إلاّ أن يصبر على «أهواء» بعض الجامعيّين يقبلون كما يشاؤون ويجحفون الشّروط كما يرغبون ويتغيّبون عن لجان الماجستير والدّكتورا كما يعنّ لهم ويكتبون التّقارير متى وجدوا إلى ذلك سبيلا ناسين أو متناسين أنّ مصير الطّلبة العلميّ بل المعيشيّ بين أيديهم، ومتجاهلين أنّه لولا الأخلاق الّتي تميّز بها الجيل السّابق من الأساتذة في انضباطهم واحترامهم للطّلبة وللمؤسّسة الجامعيّة لما كانوا مؤهّلين أصلا للإشراف على الطّلبة . فيا ويلي من مؤسّسات جامعيّة اختلط فيها الحابل بالنّابل وضعف مستوى الدّروس وتزايدت أنانيّة بعض الأساتذة وصلفهم...ويا حسرة على جامعة لم تكن تحتاج إلى قوانين خارجيّة تردع المتلاعبين بمصائر الطّلبة نظرا إلى وجود الأخلاق الجامعيّة أفقا للتّعامل...ويا ويلي من جامعة غدت مفتقرة إلى الأخلاق وما تزال مع ذلك تدّعي الاستقلاليّة وترفض الخضوع شأن كلّ المؤسّسات إلى القوانين التي تحمي من لا حول لهم ولا قوّة من الطّلبة . * جامعية تونسية ومديرة المكتبة الوطنية


