rss
twitter
    Find out what I'm doing, Tabbe3ni :p :)

25/11/2010

رفقا بالطّلبة



ألفة يوسف



عندما كتبت مقالا حول الدّروس الخاصّة في التعليم الابتدائيّ والإعداديّ والثّانويّ بلغتني رسائل كثيرة من بعض الأساتذة يبرّرون لهذه الدّروس ويعتبرونها حقّا من حقوق المدرّس لتحسين وضعه الاجتماعيّ بل يتّهمون بأنّ من المسائل ما هو أخطر وأنّ التعرّض لهذه المسألة ترف فكريّ بل تعسّف على «رسل» المعرفة في بلادنا.


وبغضّ الطّرف عن أنّي أرفض مبدئيّا أيّ شخص يملي على الكاتب ما يكتب فإنّ ما ورد عليّ في الآن نفسه من رسائل كتبها مواطنون يعانون ويلات الابتزاز وضرورة الخضوع لأهواء بعض الأساتذة بيّن لي مرّة أخرى أنّ الكاتب لا يكتب لإرضاء النّاس جميعا وإنّما لإرضاء ضميره. ومن باب إرضاء الضّمير أن أكتب اليوم في أشخاص لا يمكن لهم أن يبلّغوا أصواتهم إلى وسائل الإعلام لأنّهم ينتمون إلى منظومة شاع عنها استقلالها ورفضها لتدخّل أيّ رقابة فيها، وهي منظومة التّعليم العالي


.

منذ عقود كان أساتذة التعليم العالي في بلادنا قلّة في تناسب منطقيّ مع عدد الطّلبة، ومع تكاثر عدد الطّلبة دعت الحاجة إلى أساتذة يدرّسونهم فكثر الالتجاء إلى المدرّسين العرضيّين وإلى العقود الوقتيّة مع بعض المساعدين المتعاقدين. ولا يخفى على شأن المشتغلين في التّعليم العالي أنّ «اختيار» العرضيّين يخضع في أغلب الأحيان للعلاقات الخاصّة وأنّ «اختيار» المتعاقدين متّصل بدوره أشدّ الاتّصال بالعلاقات الخاصّة ممّا يجعل مستوى التّعليم الّذي يقدّم إلى الطّلبة أقلّ من المتوسّط إن لم نقل ضعيفا في أغلب الأحيان، وممّا يجعل التّنظير للأسابيع الأربعة عشر في السّداسيّ وللجودة في التّعليم إمّا شعارا نظريّا أو في أحسن الأحوال منطبقا فحسب على بعض مؤسّسات التعليم العالي هي قلّة قليلة.

ونظرا إلى تحوّل مفهوم التّشغيل من تشغيل قائم على استيعاب الدّولة لكلّ الخرّيجين إلى تشغيل قائم على مساهمة المتخرّج في إنشاء المؤسّسة، ونظرا إلى أنّ عددا كبيرا من الخرّيجين لا يرغبون في إنشاء مؤسّسات خاصّة أو لا يجدون في أنفسهم القدرة على ذلك، فإنّ كثيرا من الطّلبة أصبحوا يتابعون دروس المرحلة الثّالثة.



ويجد هؤلاء أنفسهم مطالبين بالتّسجيل ضمن مذكّرات الماجستير وأطروحات الدّكتورا تحت إشراف بعض الأساتذة الّذين من المفروض أن يتابعوا أعمالهم حتّى تكون في مستوى المقاييس الأكاديميّة والضّوابط المعرفيّة والمنهجيّة الجامعيّة. على أنّ اللافت للنّظر أنّ عددا من هؤلاء الأساتذة المشرفين لا يطّلعون على أبحاث طلبتهم إلاّ عند إيداعها للنّقاش فلا يؤطّرون الطّالب إلاّ تأطيرا شكليّا يجسّمه الإمضاء على أوراق إداريّة. كما أنّ البعض الآخر منهم لا يحضر لجان الماجستير أو الدّكتورا لكثرة مشاغله غير الأكاديميّة أو للامبالاته بمصير الطّلبة ممّا يجعل كثيرا من هؤلاء ينتظر سنوات قبل أن تتواضع اللجنة الموقّرة وتتكرّم وتعيّن له جلسة لمناقشة بحثه بل في بعض الأحيان تتأخّر اللجنة حتّى في تعيين الأساتذة المقرّرين الّذين سيقيّمون البحث المذكور. ولا تحسبنّ أنّ اللجنة المذكورة تخضع لمن يحاسبها وأنّ الأستاذ «المؤطّر» الغائب تُتّخذ بشأنه إجراءات إداريّة وإنّما أقصى ما في الأمر أن يتعلّل المشرف على اللجان بأنّه حاول الاتّصال بالأستاذ المشرف هاتفيّا أو راسله لحضور أعمال اللجان ولكنّه تغيّب.و...»اشكي للعروي»...



ولا يذهبنّ في ظنّكم أنّ تغيير الأستاذ المشرف أمر هيّن أو بسيط. كيف ذلك والأستاذ المؤطّر يتقاضى معلوما ماليّا على تأطيره طالما طالب به الجامعيّون، وكيف ذلك والأستاذ المؤطّر لا ينفكّ يذكّر في سيره الذّاتيّة بأنّه أطّر عددا كبيرا جدّا من الأبحاث؟ وكيف ذلك ومن الأساتذة المؤطّرين من يتغيّب عن دروسه ليشارك في ندوات خارج البلاد فإذا تغيّب عن الدّرس ولم يعوّضه أو إذا اتّفق مع الطّلبة على التغيّب الجماعيّ فهل يمكن أن نحاسبه على عدم أخذه التّأطير مأخذ الجدّ؟



إنّ تغيير الأستاذ المشرف أمر أعسر من نظيره إيجاد الأستاذ المشرف.


والخبيرون بالشّأن الجامعيّ يعلمون أنّ الطّالب لا يمكن إلاّ أن يصبر على «أهواء» بعض الجامعيّين يقبلون كما يشاؤون ويجحفون الشّروط كما يرغبون ويتغيّبون عن لجان الماجستير والدّكتورا كما يعنّ لهم ويكتبون التّقارير متى وجدوا إلى ذلك سبيلا ناسين أو متناسين أنّ مصير الطّلبة العلميّ بل المعيشيّ بين أيديهم، ومتجاهلين أنّه لولا الأخلاق الّتي تميّز بها الجيل السّابق من الأساتذة في انضباطهم واحترامهم للطّلبة وللمؤسّسة الجامعيّة لما كانوا مؤهّلين أصلا للإشراف على الطّلبة


.

فيا ويلي من مؤسّسات جامعيّة اختلط فيها الحابل بالنّابل وضعف مستوى الدّروس وتزايدت أنانيّة بعض الأساتذة وصلفهم...ويا حسرة على جامعة لم تكن تحتاج إلى قوانين خارجيّة تردع المتلاعبين بمصائر الطّلبة نظرا إلى وجود الأخلاق الجامعيّة أفقا للتّعامل...ويا ويلي من جامعة غدت مفتقرة إلى الأخلاق وما تزال مع ذلك تدّعي الاستقلاليّة وترفض الخضوع شأن كلّ المؤسّسات إلى القوانين التي تحمي من لا حول لهم ولا قوّة من الطّلبة


.

* جامعية تونسية ومديرة المكتبة الوطنية


10/11/2010

درس خاصّ

تعتمد المنظومات التّعليمية في البلدان جميعها مناهج مضبوطة وبرامج محدّدة تحاول تقديمها للمتعلّم عبر مراحل تكوينه. ومن المفروض أن تكون أهداف التّكوين واضحة سلفا وأساليبه محدّدة يعرفها القائمون على شؤون التعليم. ومن المفروض أنّ البرامج التي تُقدّم للمتعلّم توزّع وفق ساعات وأسابيع تمكّن للمدرّس من إنهاء تقديم البرنامج إلى المتعلّمين في كلّ سنة دراسيّة.

هذه مقدّمة مقالي وهي كما ترون مقدّمة قائمة على افتراض ما يبدو بدائه. مقدّمة ذات لغة خشبيّة بامتياز تنبئ بأنّ المقال قد يتحدّث عن الإنجازات في مجال التّعليم أو عن المقاصد القريبة والبعيدة للبرامج التربويّة والمناهج التعليميّة.

والحقّ أني قد أخيّب ظنّكم فما أبعدني عن أساطين التنظير للتعليم والتربية والإنجازات وما أنا إلاّ مواطن بسيط يستغلّ هذه المساحة أحيانا ليشرككم أفكاره ومشاغله. ولا شكّ أنّ لكم جميعا قريبا أو صديقا له أبناء أو إخوة يدرسون بالمعاهد الثانوية والمدارس الابتدائيّة التّونسيّة. وأريد أن أستفسر منكم عن عدد من يرتاد من هؤلاء ما يسمّى الدّروس الخصوصيّة وأعني بها تلك الدّروس التي يفرضها عفوا يقترحها الأساتذة والمعلّمون على تلاميذهم. فجلّ الأولياء في محيطي يرتاد أبناؤهم هذه الدّروس ولعلّهم يمثّلون شواذّ؟

وأنا أستحي من أن أكتب على أعمدة هذه الصحيفة الموقّرة الأجور التي يطلبها بعض المدرّسين في مقابل هذه الدّروس ولكي لا أظلمهم فأنا أقول إن لهذه الأجور مقاييس وموازين (فلا تتصوّروا القوم متعسّفين). فالميزان الأوّل متّصل بالسّنة التي يدرس فيها التّلميذ إذ كلّما كانت سنة نهائيّة لمرحلة من مراحل التعليم ارتفع السّعر، والميزان الثاني متّصل بالحالة المادّية للوالدين فكلّما كان دخل الوالدين في تصوّر المعلّم أكبر كان السّعر أكبر والميزان الثالث متّصل بعدد المتابعين للدّرس ومكان التدريس. فكلّما كان عدد المتابعين أقلّ وكان مكان التّدريس أقرب ارتفع السّعر.

هذه مسألة الأجور وها أنتم ترون أنّها محكومة بحرص الأستاذ المربّي الفاضل على مراعاة التّناسب بين الجهد المبذول والأجر المستلم.

المسألة الثانية تخصّ دافع الأولياء أو التلاميذ على التعامل مع الأساتذة في مجال الدّروس الخصوصية. ولن أشير إلى دافع المعلّمين على القيام بمثل هذه الدّروس إذ أنّ دافعهم واضح وهو "حرصهم على القيام بمهمّتهم النّبيلة في تكوين النّشء وتحسين مستواه التعليمي والتربوي ممّا لا يتمكّنون من تحقيقه أثناء ساعات الدّراسة رغم الجهود المبذولة" (أعجبتني هذه الجملة). أمّا بالنسبة إلى التلاميذ فيبدو أنّ لارتياد الدروس الخصوصية أكثر من دافع. أوّلها ضعف بعض التلاميذ في بعض الموادّ بما يفرض مزيد دعم تكوينهم. وهذا الدّافع لا يقنعني، لا فحسب لأن من المفروض أن المعلّم المتمكّن قادر أثناء ساعات التدريس على الإحاطة بكلّ ضروب التلاميذ، ولكن خصوصا لأنّ كلّ من يتابعون الدّروس الخصوصية ليسوا بالضرورة ممّن يتميّزون بضعف في المستوى. ثمّ إنّ كثيرا من المدارس والمعاهد توفّر دروس دعم للتلاميذ الذين يجدون عسرا في متابعة إحدى الموادّ وذلك بأثمان معقولة مختلفة أيّ اختلاف عن الأثمان المتعامل بها خارج مجال القسم.

أمّا الدّافع الثاني الذي يقدّم لارتياد التلاميذ الدروس الخصوصية فهو ما حكاه لي بعض الأولياء من أن كثيرا من المعلّمين والأساتذة لا يكملون برنامجهم في القسم عمدا ليجبروا التلاميذ على ارتياد دروسهم الخصوصيّة. ونقل لي البعض أنّ عددا من المعلّمين والأساتذة يذهبون إلى أبعد من ذلك فيقدّمون لتلاميذهم ممّن يرتادون دروسهم الخصوصيّة تمارين الامتحان أو تمارين شبيهة بها. ولمّا كنت سيّئة النيّة فلم أصدّق هؤلاء الأولياء، ولمّا كان سوء النيّة من الذّنوب الّتي تستدعي عقابا في الدّنيا قبل الآخرة فما راعني إلا أن قدّمت لي ابنتي مفتخرة تمرينا حصلت فيه على عدد ممتاز، وما أن قرأت ذلك التمرين حتّى ذكّرني بتمرين ساعدتها في إنجازه في إطار إعداد درس خصوصيّ.

آه لقد نسيت أن أخبركم أنّني أيضا من الأولياء الذين يرتاد أبناؤهم الدّروس الخصوصيّة، لا للدافعيْن المذكوريْن ولكن لدافع ثالث وهو خوفي من بعض المعلّمين والأساتذة الذين يمارسون على من يرفض القيام بالدروس الخصوصية ضغطا نفسيّا واستفزازا معنويّا لا قبل للأطفال والمراهقين على احتماله. فاضطررت إلى أن أقبل أن يرتاد أبنائي الدروس الخصوصية . اضطررت إلى ذلك مغلوبة على أمري وحفاظا على مصلحة الطفل الفضلى التي تحرص عليها مؤسسات الرّعاية في بلادي. اضطررت إلى ذلك ولسان حالي يقول: بين مجانيّة التعليم الفعليّة التي تحرص عليها سلط الإشراف والواقع الذي يجعل التلميذ مجبرا على حضور الدروس الخصوصية مسافة هي نفسها مسافة ما بين القيم التي ربّانا علينا جيل من المعلمين والأساتذة تدين لهم البلاد بالفضل وما أصبح عليه الحال في البلاد من إباحة مطلقة لقانون العرض والطّلب في مجال من المفروض أن لا تحكمه المصلحة المادّية ولا الحسابات السّياسيّة أو النّقابيّة الضيّقة.

06/11/2010

La femme... Petit exercice d’exégèse moderne

Le voile
Dis aux croyantes de baisser les yeux et de contenir leur sexe ; de ne pas faire montre de leurs agréments, sauf ce qui en émerge, de rabattre leur fichu sur les échancrures de leur vêtement. Elles ne laisseront voir leurs agréments qu’à leur mari…” Ennour, 31
“Prophète, dis à tes épouses, à tes filles, aux femmes des croyants de revêtir leurs mantes : sûr moyen d’être reconnues (pour des dames) et d’échapper à toute offense”. Al Ahzab, 59
Le premier sens du mot “voile” ne renvoie pas à un habit, mais à une tenture destinée à voiler la vue. Historiquement, ce “voile”-là était fait pour protéger les femmes du prophète. Contre quoi ? Pendant la Jahiliyya, expliquent Boukhari et Tabari, les mâles, surtout les impies, avaient très peu de respect pour l’autre sexe. Il s’agissait donc de soustraire les femmes à leur regard. Le verset 59 de la sourate Al Ahzab appelle les “femmes des croyants”, en général, à se prémunir aussi par le même type de “voile”. Mais les commentateurs précisent que seules les femmes libres étaient concernées – autrement dit, pas les esclaves. Ayant une valeur marchande, ces femmes là devaient être visibles pour être valorisées. Il est même arrivé à Omar Ibn Khattab de gifler une esclave qui a imité sa maîtresse (Sahih al Boukhari, tome 3, p.99). Concernant le verset 31 de la sourate Ennour, les commentateurs ont divergé sur le sens du mot “zina” (agréments). Quant à l’expression, “rabattre leur fichu sur les échancrures”, les exégètes divergent sur son explication. En plus, il y a cet autre verset (Ennour, 60) qui dispense les femmes ménopausées de se couvrir. Autrement dit, il faut être apte à la procréation pour devoir se préserver visuellement des hommes. Bref, on est loin du voile d’aujourd’hui que l’interprétation fondamentaliste veut imposer comme sixième pilier de l’islam.
La polygamie
“Si vous craignez de n’être pas équitables en matière d’orphelins… alors épousez ce qui vous plaira d’entre les femmes, par deux, ou trois, ou quatre. Mais si vous craignez de n’être pas justes, alors seulement une…” Annissae, 3
Parmi les exégètes défenseurs de la polygamie, il y en a qui font l’addition 2+3+4… et autorisent l’homme à avoir 9 épouses, à l’instar du prophète ! On note, dans le verset coranique concerné, que l’autorisation est subordonnée à “l’équité en matière d’orphelins”. Quel rapport ? Il s’agirait en faite des “orphelines”. Pendant la période anté-islamique, les hommes se mariaient fréquemment avec celles dont ils étaient tuteurs, pour subtiliser leurs biens. L’islam aurait cherché à les en dissuader en les autorisant à aller voir ailleurs. Mais le Coran relève l’injustice de la démarche, en stipulant dans un autre verset “vous ne pourrez être justes envers vos femmes même si vous y veillez” (Annisae, 129). Cela n’a pas suffi aux exégètes, soucieux de préserver une pratique très répandue…
Le divorce
“Il ne vous est permis de rien récupérer sur elles de vos dons, à moins que tous deux ne craignent de ne pas satisfaire aux normes expresses de Dieu”. Al Baqara, 229
Le Coran octroie aussi à la femme le droit de demander le divorce. Lorsque la femme d’un compagnon du prophète, Thabet Ibn Qaïs, est allée avouer à Mohamed qu’elle ne tolérait plus sa vie à deux, le prophète lui a tout simplement demandé (en présence du rapporteur Boukhari) si elle acceptait de lui rendre son jardin. Il n’a même pas demandé de témoin. Cette facilité dans la procédure, nos sociétés patriarcales ont du mal à la préserver. Ils ont aussi du mal à préciser au mari qu’il n’a aucun droit d’exiger de son ex-épouse un remboursement sur les biens qu’il a mis à sa disposition au cours du mariage.

04/11/2010

فصام

وأنا أشاهد أخبار الهجوم القاتل على كنيسة في العراق أحسست بما يحسّ به كلّ إنسان من مرارة وعجز. ولكنّي أردت أن أتجاوز الانفعالات الأوّليّة إلى التّفكير في بعض أبعاد هذا الذي يحدث يوميّا حتّى غدا مسألة عاديّة بل مبتذلة.

تذكّرت العدد المهول من المجازر التي ذهب أبرياء ضحيّتها واستحضرت الهجمات الانتحاريّة على مناطق آهلة بالمدنيّين وجالت بنفسي أسئلة كثيرة أهمّها: كيف يمكن لإنسان أن يُحمل على مثل هذا القتل المجانيّ، قتل نفسه وقتل الآخرين لا لسبب إلاّ سبب أنّهم مختلفون عنه في الاقتناعات الدّينيّة أو الانتماءات العرقيّة أو سواها.

وحاولت أن أتلمّس مشروع إجابة من منظورين منظور قتل النّفس أوّلا ومنظور قتل الآخر ثانيا.

فأمّا فيما يخصّ الانتحار، فإنّ البحوث النّفسيّة تبيّن أنّ المرء لا يقتل نفسه إلاّ إذا كان مصابا ببعض ضروب الاكتئاب الخطيرة سواء كان واعيا بها أو لم يكن. ولا يُقدم المرء السويّ على قتل نفسه. وقد يحاول بعض النّاس الانتحار بهدف لفت انتباه المحيطين بهم ودعوتهم إلى بعض عناية واهتمام.

على أنّ كلّ من ينتحرون وإن تصوّروا أنّهم يستشهدون إنّما يحدوهم شعور عميق بالاكتئاب يزيد بخضوعهم إلى سيطرة نفسيّة واضحة تعمّق آلامهم وشعورهم بالاضطهاد. وكلّما كان الناس متأزّمين أكثر سهل التأثير فيهم. إنّ اليأس أكبر دافع إلى الانتحار. وعوامل اليأس في عالمنا هذا أكبر من أن تُحصى. أفلا يدفع إلى اليأس ما يراه البعض أو ما يعيشونه من احتلال لأوطانهم يصبح الدّفاع عنها إرهابا؟ أولا يدفع إلى اليأس أن يكون لدولة مّا حقّ في الفيتو يمنع من اتّخاذ إجراء وإن يكن رمزيّا ضدّ "دولة" تنتهك حقوق الإنسان جميعها؟ وألا يدفع إلى اليأس تفاقم الهوّة الاقتصاديّة بين الدّول و بين الأفراد بما يجعل بعضهم يرزح تحت مستوى الفقر والبعض الآخر يعيش في بذخ قد لا يتصوّره العقل ولا تقبله الأخلاق البشريّة؟ فإذا اختلط هذا كلّه في ذهن شخص محروم ذي تركيبة نفسيّة مخصوصة تتميّز بالبارانويا أساسا وإذا وجد تشجيعا من بعض المتلاعبين أو المرضى أفلا يمكن أن يدفعه الخلط وتداخل المعلومات والاضطراب إلى قتل نفسه لا سيّما إذا وجد لهذا القتل تبريرا أنيقا يهبه وهم "الاطمئنان" أو "الخلاص"؟

أمّا عن قتل الآخرين المختلفين فهل طَرَح العالم على نفسه سؤالا عن مدى التجسّم الفعليّ اليوم لقيم الاختلاف والتّسامح الّتي كثيرا ما تظلّ حبرا على ورق؟ عندما تجد مسلمين يتبجّحون بعدد من دخل الإسلام وتجد مسيحيّين يفتخرون بعمليّاتهم التبشيريّة ألا يذكّرنا ذلك بمباريات كرة القدم أو الحملات الانتخابيّة التي لا أولويّة فيها إلاّ للفوز بمعناه المسطّح البسيط. هل أصبح الإيمان بالله الواحد مجالا لمزايدات إيديولوجيّة ومجالا لمصلحيّة ضيّقة؟ عندما تشاهد أشخاصا على قنوات فضائيّة يصفون أهل الكتاب بأشنع النّعوت وعندما تجد بعض وسائل إعلام غربيّة تتّهم جميع المسلمين بأنّهم إرهابيّون، عندما تجد أناسا يتلذّذون مشهد امرأة تُرجم حيّة وآخرين تبيح قوانينهم نكاح بنات العاشرة، عندما تجد أشخاصا يبرّرون قتل الآخر لمجرّد أنّه لا دينيّ أو لا أدريّ، أفنتعجّب أن تُهاجم الكنائس والمساجد فضلا عن المطاعم والمقاهي ووسائل النّقل. وأنتعجّب أن تصبح صورة قتل الأبرياء من وسائل استجلاب المشاهدين في أوقات الذّروة. ولم لا استجلاب المستشهرين والأموال؟

قد تقولون إنّ هذا الكلام ليس خاصّا بهذا العصر فقط بل لعلّه من طبيعة التجمّعات البشريّة لم يسلم فيها رجل مثل عمر بن الخطّاب من القتل منذ قرون ولا آخر مثل غاندي من الاغتيال منذ سنوات. ولكنّي وإن كنت أوافقكم بمجرّد نظرة سريعة إلى مراحل تاريخ البشريّة أستغرب ما يضفيه هذا العصر على نفسه من شعارات شأن التّسامح والمساواة والحرّيات. فإمّا أن نغيّر الواقع وهو العسير أو على الأقلّ لنبدأ بالأيسر ولنغيّر الشّعارات الكاذبة عسانا نخفّف قليلا من الفصام الّذي كاد يصيبنا جميعا.