rss
twitter
    Find out what I'm doing, Tabbe3ni :p :)

09/06/2010

أجيال

21/10/10


ليس من المستحدث أن نجد خلافا في الرّؤى والتصوّرات بين الأجيال. فهذا أمر عاديّ لأنّ تصوّر الإنسان للكون ليس جامدا متكلّسا وإنّما يتطوّر ويتبدّل بتقدّمه في السنّ وبتحوّل السّياق حوله سواء اتّصل الأمر بالسياق الداخلي الذّاتي أو بالسّياق الخارجي التاريخيّ. على أنّ ما نلحظه اليوم في مجتمعنا التونسي من اختلاف بين جيل الشباب وجيل الكهول أو المسنّين يكاد يبلغ في بعض الأحيان حدود القطيعة وتبادل التّهم.

اسمحوا لي أوّلا أن أعتذر عن استعمال مفاهيم جاهزة شأن الشباب أو الكهول إلخ، فلا يمكن رغم وعينا بنسبيّة هذه المقولات وتحوّلها في كلّ لحظة وآن إلاّ أن نخضع إلى سلطان المقولات اللغويّة تسيطر على فكرنا وتوجّهه غصبا عنّا أحيانا.

ولأنّنا واعون بنسبيّة هذه المقولات فسنحاول أن نتناول المسألة من منظور جيلين يفصل بينهما ربع قرن وهي الوحدة الزّمنيّة التي تعتمد عادة مقياسا لتحديد الأجيال.

من نافل القول اليوم الإقرار بأنّ مستوى الشّباب في اللغات اليوم هو مستوى متدنّ عموما. وكان الأمر مختلفا منذ ربع قرن إذ كان الشباب آنذاك يتقنون على الأقلّ لغة من اللغتين السّائدتين زمنها أي اللغة العربية الرّسميّة واللغة الفرنسيّة لغة المستعمرات الفرنسيّة سابقا. ومن اليسير الانخراط في مونولوج طويل يبكي فيه المرء على أطلال الزمن الماضي الجميل. وأعترف أنّ هذه السّهولة أغوتني أحيانا ولكنّ رغبتي في مساءلة كلّ شيء حملتني على أن أحاول تعميق النّظر في المسألة فوجدت أنّ جلّ شباب اليوم قد لا يتقنون اللغة العربية والفرنسية ولكنّ كثيرا منهم يتقنون اللغة الأنقليزيّة. وجلّهم أنشؤوا لغة جديدة، وإذا كانت كلمة لغة تحرج بعضكم فلنقل إنّهم قد أنشؤوا قواعد جديدة يستعملون بها اللغات السائدة ويوظّفونها توظيفا خاصّا. ولا أنكر أنّي أوّل الأمر لم أكن أفهم كثيرا مما كان يرسله لي بعض الشباب من رسائل قصيرة عبر الهاتف الجوّال أو عبر النّات وكدت أيأس من محاولة الفهم وأكتفي بأن أتّهمهم بالجهل بقواعد اللغة. ولكنّ بقايا درس سوسيري قديم ذكّرتني بأنّ وجهة النّظر اللسانيّة لا يمكن أن تكون معياريّة بل وصفيّة. وحاولتُ أن أقترب من استعمالاتهم هذه فوجدت نفسي أفهمها بعد بذل بعض الجهد في البداية.

إنّ كلامي هذا لايعني البتّة أنّ قواعد هذه اللغة الجديدة أفضل أو أردأ، فقد اتفقنا على أنّ التعامل المعياريّ لا يجدي نفعا. فقط أتساءل ألم أخطئ منذ البدء التعامل مع هذه الظاهرة الوليدة بمحاولة إخضاعها بالضّرورة إلى مقاييس جيلي فإن وافقَتْها قبلتُها وإن لم توافقها تهجّمتُ عليها نقدا وتجريحا.

وهاكم مثالا آخر. أنا لا أفهم البتّة في إحدى أنواع الموسيقى والغناء يُقال إنّ اسمها الرّاب. وقد ولجت يوما صفحة على الفايسبوك لمغنّ تونسي في هذا الضرب من الغناء فوجدتُ أنّ له أكثر من 30 ألف معجبا. واستمعتُ مرة صدفة إلى أحد أغاني هذا المغنّي، وأنتم تعرفون أن شوارعنا وأسواقنا تفرض عليك أحيانا أنماطا من الموسيقى لا تملك إزاءها إلا التسلّح بالصّبر والجلد. ولا أنكر أنّ كلمات هذه الأغاني استفزّتني بادئ الأمر وقد أعود إليها بإذن الله بالتّحليل في مقال قادم. ولكنّي وجدتُ نفسي بعد أيّام أخاطب نفسي: أيّهما أكثر عمقا؟ أن أحكم على هذا الضّرب من الغناء بأنه رديء وتافه وأنصرف إلى شؤوني انصراف المطمئنّ الواثق من صواب رؤاه واختياراته ومن أنّ ذوقه لم يجُد الزّمان بمثله قطّ أو أن أتساءل كيف يمكن أن نفسّر ميل كثير من الشّباب إلى هذا الضّرب من الموسيقى والغناء؟ ألا يمكن أن تكون الموسيقى والغناء اللذان أعدّهما راقيين ممّا لا يجيبهم عن عمق مشاغلهم وتطلّعاتهم. بل لعلّ تكويننا إيّاهم هو الّذي جعلهم لا يجدون ملجأ فنّيّا إلا في هذه الموسيقى. بل لعلّ الأمر أبسط من ذلك وأعمق في الآن نفسه. ألا يكون هؤلاء الشباب يجدون في الغرام بهذه الموسيقى وجها من وجوه الثّورة على الجيل السّابق الّذي يعدّونه واعين أو غير واعين مسؤولا عن أوضاعهم الحاضرة؟ ولعلّهم يجدون في الولع بهذه الموسيقى وجها من وجوه الاطمئنان بالانتماء إلى مجموعة يتفق أعضاؤها من أصدقائهم وأقرانهم في الميولات والخيارات.

إنّي من خلال ما سبق أطرح سؤالا بسيطا منطلقه مثال. فأمّا المثال المنطلق فهو أنّنا لا نكفّ عن اتّهام هذا الجيل بشتّى النعوت السلبيّة ولكنّ كثيرا منّا ما أن يجدوا عطبا أو خللا في حاسوبهم أو في هاتفهم الجوّال حتّى يهرعوا مذعورين إلى الأبناء يطلبون منهم العون والمساعدة. وأمّا السّؤال فهو: هل المشكل فينا أم في أبنائنا؟ وهل هناك مشكل أصلا؟ وبعبارة أخرى أليس منطلق ما نتوهّمه مشكلا هو أنّنا نريد أن نتعامل مع واقع متحوّل متحرّك -ككلّ شيء في الكون- بمقاييس جامدة ثابتة نتصوّر أنّها مقاييس مطلقة صالحة لكل الأزمان والأمكنة. وأليس منطلق ما نتوهّمه مشكلا أنّنا نرفض التحوّل باعتباره السّمة الأساسيّة على عدم قدرتنا على السّيطرة على الأمور وهو ما يرفضه عُصابنا الذي يتوهّم أننا مصدر كلّ شيء؟ وأليس منطلق المشكل المتوهَّم أنّنا نسينا أنّ اللغات تبدّلت وأنّ الأذواق تغيّرت عبر الأزمان وأنّ المجال الوحيد الذي يجب أن يُحافَظ عليه هو الأخلاق أو الإطيقا باعتبارها جوهر الاجتماع البشريّ وأساسه.

Aucun commentaire: