تونس ـ «الشروق 15 .03.2012
تبقى ألفة يوسف في كتاباتها وحواراتها دائما مثيرة للجدل والسؤال لتحريك سواكن المياه الراكدة. وهذا الحوار مقاربة جديدة لألفة يوسف فيما هو سياسي.
بعد «المرأة ناقصة عقل ودين» و«حيرة مسلمة» و«الإخبار عن المرأة في القرأن والسنة» و«شوق» تصدر لألفة يوسف مجموعة من الكتب ضمن سلسلة بعنوان «والله أعلم»الشروق التقتها في هذا الحوار
ما هي ملامح كتابك الجديد؟
هو مجموعة كتب ضمن سلسلة تسعى إلى أن تتّسع. تحمل السّلسلة عنوان «والله أعلم» وتبدأ بإصدار سبعة كتب. وهي عبارة عن محاورات بين شخصين كلاهما مسلم، ولكن لهما قراءتان مختلفتان لبعض المسائل التي لها بالإسلام صلة. وقد حاولت جمع أكبر عدد ممكن من الحجج لهذا الفريق أو لذاك لأنّ الغرض ليس تقديم جواب نهائيّ ولا رأيا قاطعا وإنّما شحذ ذهن القارئ للتّفكير حتّى بإذن الله يختار وحده ويحقّق المعنى العميق للإسلام أي تحمّل الفرد مسؤوليّته أمام الله تعالى. ومن المواضيع المطروحة الحجاب والإعدام وحد السرقة والخمر وغيرها.
كيف تتقبلين هجومات الفايسبوكيين ؟
أتقبل هجمات الفايسبوكيين بنفس الطريقة التي بها أتقبّل شكر الفايسبوكيين ومديحهم. أتقبّلهما باعتبارهما دلالة على موقف الآخر من موضوع ما وفق مدى معرفته به ووفق وجهات النظر المتعددة ووفق تموضع المعلّق نفسه ورؤاه وسماته النّفسيّة. إنّ كلّ ما يقال تعبير عن الاختلاف البشريّ الضروريّ. فعلى حدّ علمي لم يُجمع البشر منذ بدء الخليقة إلى الآن على فكرة. وكلّ كلام قابل لأن يُنقد، إن لم يكن في مضمونه، فعلى الأقلّ في وجوده إذ يمكن أن يقال لك: لماذا قلت كذا ولم تقل كذا ولماذا قلت كذا في هذا السياق؟ بل لماذا قلت كذا أصلا؟
مشكلتنا أننا شأننا شأن حكّامنا نبحث عن الإجماع وهو وهم. والأفضل أن نسعى إلى التعبير ونترك للآخرين مجال الرّأي في ذلك التعبير، وهو رأي سيكون بالضرورة مختلفا وسيكون بالضرورة معبّرا عن صاحب الرأي. ألم يقل أدونيس: «أنت لا تكرهني، أنت تكره الصورة التي كونتها عنّي.. وهذه الصورة ليست أنا، إنّها أنت».. ويمكن في رأيي أن نعوض فعل «تكرهني» بفعل «تحبّني» دون أن يتغيّر جوهر المعنى..
المهمّ من هذا كلّه أنّ ما أقوله يحمل الآخر على التعبير إيجابا أو سلبا وهذا أمر هامّ بغضّ الطّرف عن مضمون التّعبير.
ما هي قراءاتك لموجة التكفير في الشارع التونسي الغريبة عن تقاليدنا؟
موجة التّكفير هذه منطلقها البحث عن الّسّلطة. فمن يكفّر الآخر يتصوّر لا واعيا أنّه قد امتلك السّلطة المطلقة إذ لا تنس أنّ الذّات الإلهيّة هي وحدها التي تحدّد الكافر من غير الكافر. والله تعالى يصرّح في قرآنه: «هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ».
إنّ التّكفير تعبير عن القلق اللاواعي الذي يجتاح نفسا ترفض أن تقبل حدودها وموضعها الثّاني في الكون، وتريد بالضّرورة أن تكون مصدر الحكم المطلق على النّاس. للأسف إنّ كثيرا من أئمّتنا (وقد قلت هذا للشيخ البشير بن حسن في حواري معه) لا يشتغلون على هذه المسألة ولا يبيّنون خطورة التكفير وما يمكن أن ينتج عنه من صراع وعنف بين المواطنين. غريب أن لا نذكّر بقول الرّسول صلى الله عليه وسلّم: من رمى مؤمنا بكفر فكأنّه قتله.. وغريب أن لا نذكّر المكفّرين بأنّهم إذ يكفّرون الآخر يتموضعون رمزيّا في موضع الله تعالى وحده بما يستتبعه ذلك من إمكان الشّرك..
أليس الشّرك عبادة إله آخر سوى الله؟
وأظنّ أنّ أكبر معبود هذه الأيّام هو الذّات أو الأنا..
طبعا كلامي هذا ليس تكفيرا لأنّ التّكفير يكون لشخص أو مجموعة أشخاص ولكنّه تذكير لنفسي قبل كلّ شيء وللآخرين أنّ الوعي بموضعنا الثاني في الكون بعد الأوّل المطلق من شأنه حملنا على مزيد من التواضع وتجنّب الحكم على القلوب والنّوايا.. فإن لم يكن جوهر الإيمان التواضع أمام الله عزّ وجلّ فإنّنا نكون بذلك قد خرجنا إلى موضع الكبر والرّياء..
ما هو موقفك من زيارة وجدي غنيم وأرائه ؟
من البديهيّ أنّنا ندافع جميعا عن حرّية التّعبير وأنّ هذه الحرّية مطلب أساسيّ لا سيّما في ظلّ الدّيمقراطيّة الّتي نسعى إلى تأسيسها. لكن لا بدّ من أن نتذكّر أنّ حرّية التّعبير تفترض شرطين أساسيّين: أوّلهما أنّها محدودة بالقانون. وهذا ما تتّفق فيه حتّى أرقى الدّيمقراطيّات وأرقاها. فحرّية التعبير لا تعني حرّية الشّتم والثّلب والاعتداء اللفظيّ على النّاس. ولا تعني حرّية التعبير الدّعوة إلى ما يخالف القانون شأن نكاح الأطفال أو المتاجرة بالعباد إلخ.. وثاني الشّرطين أنّ حرّية التعبير المحدودة بالقانون مكفولة للجميع الّذين يحترمونها ولا يمكن أن تُكفل لمن يدعو إلى إلغائها أو قمعها.. فإذا عدنا الآن إلى زيارة وجدي غنيم وقرأناها من هذا المنظور وجدنا أنّ في مضامين بعض الخطب لهذا الرجل ما يناقض هذين الشّرطين..
فمن حيث احترام القوانين نجد في كلام السيد وجدي غنيم ما يقابل القوانين شأن التكفير واتّهام بعض التونسيّين بل حمل للسّكّان على مهاجمة بعضهم البعض (وقد بدأنا نجني بعض نتائج هذا الضّرب من الخطب) ونجد في خطب السيد وجدي غنيم دعوة إلى ممارسات ترفضها حقوق الإنسان شأن الدّعوة إلى ختان النّساء الذي يناضل كثيرون لمنعه منذ سنوات. ومن حيث احترام حرية التعبير نفسها نجد أنّ السيد غنيم يرفض الدّيمقراطيّة بل يعتبرها كفرا ويجرّمها.. كيف يمكن أن تتعامل مع شخص يبرّر حرّيته بقيم يرفضها في خطابه ويرفض أن تطبّق على سواه..
إنّ اعتراضنا على غنيم ليس اعتداء على الحرّيات وإنّما كلامه هو الّذي يحوي هذا الاعتداء في جوهره وفي مضمونه.
هل تعتقدين أن تنامي السلفية يخفي استهدافا منظما للنموذج التونسي في الحياة ؟
أعتقد أنّ تنامي الّسّلفية في تونس يُقرأ من بعدين. البعد الأوّل هو يعبّر عن سعي عدد من المهمّشين في تونس سابقا (اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا) إلى البحث عن موقع لهم داخل المجتمع بل إلى حكم المجتمع وفرض نموذج مّا عليه.
جلّ السّلفيّين ينتمون إلى الأحياء الشعبية أو إلى الطبقات التي تلقّت حظّا ضئيلا من التعليم كمّا وكيفا، والانتماء إلى تيّار كلياني يدّعي امتلاك الحقيقة دون سائر الخلق بل يشرّع للعنف تجاه الآخرين هو فرصة ممتازة لهؤلاء لكي «ينتقموا» من التهميش الذي عانوه إلى موضع الفاعل والمعترف به، وأيّ سلطة أكبر من سلطة الحديث باسم الإله لناس لا يسمح لهم مستواهم الفكريّ وتكوينهم الرّوحانيّ أن يعرفوا أنّ الحديث باسم الله تعالى والعنف هما أكبر اعتداء على جوهر الإسلام. أمّا البعد الثّاني للسّلفيّة فيُقرأ سياسيّا متمثّلا في اعتبار بعض الإسلاميّين هؤلاء السّلفيّين قاعدة انتخابيّة يجب عدم المساس بها خشية من تحوّل وجهتهم السياسيّة. وهذا ما يفسّر صمت الحكومة أو في أحسن الأحوال تراخيها في محاسبة خروج هؤلاء عن القانون..
والمهمّ أنّه علينا أن لا ننسى أن الإسلاميّين عموما ليس لهم إلا برنامج مجتمعيّ ويفتقرون تماما إلى البرنامج السياسي والاقتصادي وإلى الكفاءة والخبرة في الحكم، لذلك تجدهم يحوّلون الاهتمام دوما من القضايا الجوهريّة إلى مسائل أخرى ليست من صميم قضايا التنمية.
الى أين تسير تونس ؟
تسير إلى الأفضل.. فقط علينا أن نكون صبورين قليلا، فلن يأتي الانتقال الديمقراطي في أحسن الظّروف وبقدرة قادر وإنّما لا بدّ من بعض الوقت ولا بدّ من دفع ثمن نرجو أن لا يكون باهظا لسنوات من الصّمت ومن الرّأي الواحد.. أتصوّر أنّ هذه الصراعات الفكريّة في تونس وإزاء عجز الحكومة عن تحقيق المعادلة العسيرة بين هيبة الدّولة وحرّية التعبير ستنتج صراعات عنيفة.. وبعد هذا العنف سيعي التونسيون حدودهم ويعرفون أنّه لا يمكن لأيّ شقّ إقصاء الشّقّ الآخر.. سنعي جميعا أنّ الحلّ ليس في إسقاط حاكم لكي نحلّ محلّه بإذن الله وإنّما الحلّ هو في تعايشنا معا وفي جعل القانون هو الحاكم والفيصل بيننا جميعا.
نور الدين بالطيب
Source : http://www.alchourouk.com/Ar/article.php?code=526902












